المستوطنات – لا توجد حلول وسط، إما تفكيكها وإما.. تفكيكها!
مع انكشاف المساعي الأمريكية المتجددة لاحلال السلام في المنطقة، تتجلى معالم الخارطة الجديدة لتوزيع القوى في المنطقة، والتي تأتي لضمان الريادة والسيطرة الاسرائيلية، وانصياع باقي الدول لها، وتقارب ودي بين اسرائيل ودول أخرى على رأسها السعودية، التي تدعم كل ما تفعله امريكا في المنطقة، خاصة وأنها ترى نفسها أكبر المهددين من تعاظم قوة ايران، ولن تتوانى في منح قواعدها وأراضيها لتنفيذ ضربة عسكرية أمريكية ضد ايران.
من جهة اخرى تستمر واشنطن بضعضعة بعض الثوابت القديمة، لارساء نمط جديد من توازن القوى، في القرن الأفريقي، وذلك بالاصرار على تقسيم السودان، ودعم اثيويبيا لتمكينها من فرض سيطرتها على المنطقة، مقابل ضعضعة واضعاف الدور والتأثير المصري، وزيادة التهديد بالسيطرة على مجرى نهر النيل، واعادة تقسيم الحصص المائية لدول الحوض.
أما الورقة الكردية فتبقيها امريكا للسنوات القادمة، لتحريكها وفق ما ترتئيه مصالحها، لتضييق الخناق على تركيا، في حال استمرت بالانحراف عن مسار المصالح الأمريكية، بدعم مطلب الأكراد اقامة دولة مستقلة، تقتطع من تركيا والعراق وسوريا وايران، او بعضًا منها.
أما الخطاب الديمقراطي الذي غاب من سلة المواعظ الأمريكية، فقد يعود في فترة لاحقة، اذا لم يلتزم قادة انظمة العالم العربي، بالانصياع لما تمليه الخطط الاستراتيجية الأمريكية، التي تضعها اجهزتها ومؤسساتها العسكرية والاستخباراتية والسياسية، وفق ما تمليه مصالحهم الاقتصادية.
*اعادة سوريا وتركيا الى مسار التوافق
من اهم العوامل التي ستسهل انزال ضربة عسكرية بايران، هو عزلها، والنجاح في وقف الدعم التي قد تحصل عليه معنويًا وفعليًا، من الدول التي لا تعارض برنامجها النووي، وعلى رأسها سوريا وتركيا. ان اعادة فتح مسار التفاوض السوري الاسرائيلي، والتلميح بدعم استثماري اقتصادي خليجي، ودعمه بموقف داعم من قبل الاتحاد الأوروبي، سيدخل سوريا في بوتقة جديدة، رويدًا رويدًا، تدخلها الى قائمة الوفاق العربي، مناشدة السلام والهدوء، واستقرار امن المنطقة، خاصة ان سوريا والسعودية تدأبان على ارساء الاستقرار في لبنان، وهناك تنسيق وتعاون دائم، رغم بروز بعض الخلافات هنا وهناك.
قد تنجح الاستخبارات الامريكية، فيما بعد بتقريب وجهات النظر العربية العربية، وابعاد سوريا عن المسار الايراني، لكن سيكون اسهل ان يتم هذا بموازاة تقريب تركيا، من مسار التفاوض ومحادثات السلام، وهذا سيحدث فعلاً في الاسابيع القادمة. كذلك قد تمنح امريكا تركيا فرصة جيدة لفرض هيبتها على المنطقة، بمنحها دورًا فاعلاً في المستنقع العراقي، بالاضافة الى دورها في المفاوضات السورية الاسرائيلية.
ما تريده الولايات المتحدة هو ارضاء اسرائيل، ووقف البرنامج النووي الايراني، مقابل ارساء اجواء السلم في المنطقة، لكن السؤال الغامض هو اذا ما كانت امريكا قد اشترطت بشكل واضح التوصل الى اتفاق سلام مقابل تدخلها المباشر او السماح لاسرائيل بوقف المشروع الايراني النووي، من خلال ضربة عسكرية.
الاتفاق والتوافق العربي الاسرائيلي، برئاسة السعودية ومصر والاردن، يعزز فرص التحرك الامريكي في المنطقة، وعلى الرغم من عدم وجود علاقات مباشرة بين اسرائيل والمملكة السعودية، الا ان الأخيرة تمثل خطًا واضحًا من التقاء المصالح، وتغليبها على العداء القديم، وهي تعبر عن وجهة النظر الخليجية، وتقودها بلا منازع. لذلك قد تعيد السعودية طرح مبادرتها من جديد، لارساء اجواء السلام، في حال كان هناك تقدم جدي في المسارين السوري والفلسطيني. بالاضافة الى ذلك، فان السعودية تعتبر نفسها اول المهددين من الخطر الايراني، وتعاظم قوة ايران، وقد كانت المحاولة الانقلابية الفاشلة، والتي قد تكون وهمية ايضًا، في البحرين، ذريعة لهذا الخطر، الذي تريد تجنبه كل دول الخليج.
المشروع النووي الايراني لا يفارق قادة اسرائيل، ولو للحظة، فكل متحدث اسرائيلي في أي موضوع كان، يذكر الخطر الايراني، وما من شك في ان الحكومة الاسرائيلية تستعد بكل ما تملك من وسائل لوقف هذا المشروع، وعلى الرغم من نجاحها بتسريب بعض المعدات الغير صالحة للمفاعل الايرانية، واغتيالها لبعض العلماء الايرانيين الذين يقودون هذا المشروع، الا انه وفق تقديرات استخباراتها العسكرية فان المشروع النووي الايراني سيكون قادرًا على انتاج يورانيوم مخصب بدرجة عالية، ووضع رؤوس نووية على صواريخ ايرانية بعيدة المدى، تهدد اسرائيل مباشرة، حتى انتهاء العام 2014، على ابعد حد.
السؤال الذي نطرحه هو اذا ما كان نتنياهو مستعدًا لتقديم تنازلات جدية، والقبول بدولة فلسطينية مستقلة، وحل كافة القضايا العالقة، وعلى رأسها الحدود واللاجئين والقدس، وفتح مسار مع السوريين يؤدي الى تنازل عن مرتفعات الجولان المحتلة، من أجل ضمان أمن وبقاء اسرائيل، كما يقول لقادة دول العالم؟! أي مقابل تنفيذ ضربة عسكرية ضد ايران، تشل مشروعها النووي، بشكل كامل.
أم انه يحيك مسارًا يضمن له الفوز بما يريد، دون ان يدفع ثمنًا باهظًا، أو مقابل بعض الأمور التي قد تُظهر انه ماض ٍ في طريق السلام، لكنه لن يدخل نفسه في طريق ضيقة، تمنعه من الالتفاف والانعطاف والعودة الى الوراء.
لقد استفاد نتنياهو من وجود براك شريكًا له، كونه قاد المفاوضات في كامب ديفيد، فهذا سيعطيه ذريعة، للمماطلة، بأن الفلسطينيين لا يريدون التوصل الى اتفاق. لكن ما تقوله الادارة الأمريكية اليوم لنتنياهو ان ابو مازن، هو الخيار الأخير الذي سيكون مستعدًا للتفاوض، وان عدم التوصل الى اتفاق مع ابو مازن يعني فقدان خيار المفاوضات.
في طريقي الى رام الله قبل عدة ايام، مررت بالعديد من المستوطنات، ومررت بالعديد من القرى الفلسطينية، ورأيت بعض المشاريع الانمائية، وتطوير الطرق، والكثير من اللافتات التي تعد الفلسطينيين بأمل افضل، كلها لافتات للصندوق الخيري الأمريكي، الذي يدعم ويمول العديد من المشاريع. غالبية المستوطنات التي مررت بجانبها احتلت مواقع استراتيجية على رؤوس الجبال، لم يكن من السهل اقناع عينيّ انها ستُفكك قريبًا.
لذلك يبقى السؤال، هل ستكون المفاوضات قفزة من اجل وقف المشروع النووي الايراني؟ وهل سيكون نتنياهو سعيدًا بتضييع آخر فرصة للتفاوض مع الفلسطينيين، على حد قول الادارة الأمريكية؟
