يقال: ان آفة المرء النسيان، لكن الذاكرة الفلسطينية تفيض بالأحداث والأيام والمنعطفات، غنية وعميقة في تسجيل المكتوب والمعلن والمنشور على الملأ، بينما يبقى المدفون وغير المعلن هو ما يجب نبشه، بعد تسلسل الروايات في الذكرى الـ 66 للنكبة الفلسطينية. فعامًا بعد آخر تكتسب "الهزيمة" العدوان الحزيراني عام 1967 وتتشعب لتطفو على السطح كلما أمعن الإسرائيليون في عدوانهم وخطيئتهم التي ارتكبوها قبل 66 عامًا، يوم ارتكبوا جريمتهم الأولى في تشريد الشعب الفلسطيني عن وطنه. فكانت مرة أخرى جريمتهم الثانية في الرابع من حزيران من عام 1967 يوم أكملوا إجهازهم على الضحية في بلع فلسطين التاريخية، وتلك المساحة المخصصة للدولة الفلسطينية.
كان الهدف وكانت المؤامرة، ضرب الطموح الفلسطيني والتعاطف الدولي في إجهاض ولو القليل في معركة إنصاف الشعب الفلسطيني في تحقيق أحلامه في الحرية والاستقلال فوق ترابه الوطني المغتصب.
ها هي الذكرى السابعة والأربعون لعدوان حزيران، ماثلة أمامنا، العالم العربي من المحيط إلى الخليج غارق في سبات عميق يلفظ أنفاسه الاخيرة ويبتعد عن الهجمة والحركة التحررية ضد المستعمر وأتباعه، التي كانت سيدة الموقف في منتصف القرن المنصرم. لكن تحل علينا هزيمة العدوان، في الرابع من حزيران، وشعبنا على أبواب عهد جديد من استعادة وحدته الوطنية بين مكوناته السياسية كافة، وان استعادة اللُحمة الفلسطينية الداخلية هي ما يقلق حكام إسرائيل أكثر من غيرهم، فمُخلفات العدوان الحزيراني، ما زالت قائمة لغاية الآن، وآثار الحرب والعدوان والاحتلال والقمع والاضطهاد والمرارة والعذاب التي يعاني منها الشعب الفلسطيني مستمرة وبوتيرة اشد من السابق. المستوطنات وسوائب المستوطنين الكولونياليين ينهبون الأرض الفلسطينية بالمتر والشبر والفتر، يعيثون فسادًا ودمارًا وهمجية بعيدة عن روح الإنسانية، بحق البشر والشجر والحجر، لم يسلم من شرورهم حتى الطفل الذي يرضع، لكن هذا الطفل الفلسطيني اثبت انه لن يركع. وفي ذكرى العدوان الحزيراني، كل الدلائل تشير ان حكام إسرائيل ماضون تمهيدًا لقبر حلم العودة والدولة والالتفاف على كامل الحقوق الفلسطينية والسورية واللبنانية.
تبيت القدس، وهي مثقلة بالجراح والمعاناة، حاملة معها همَّ ليس المقدسيين فحسب بل المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين والعرب عامة، وحال الأقصى والقيامة تنتهك يوميًا على يد المحتلين الصهاينة حلفاء الأمريكيين والأخيرة حلفاء آل سعود وآل الصباح وآل ثاني وغيرهم. هذه الرموز الدينية الإسلامية والمسيحية الفلسطينية العربية يتهددها خطر التقسيم والتدنيس هذه الأيام على يد حكومة اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو وأتباعه. ألم يتم تقسيم وتنظيم الصلاة في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل بين المسلمين واليهود، ان المستهدف الأول هو المواطن العربي الفلسطيني ووجوده الحضاري وبعده الديني وإفراغ البلاد من أهلها الأصليين.
ألم يشهد باب العمود وقبة الصخرة المشرفة وشارع صلاح الدين وكنيسة الكنائس القيامة، يوم دخل السيد المسيح عليه السلام، ونادى وبشر بأرض السلام وفي الناس المسرة، الم يتقهقر الغزاة على مر مراحل التاريخ وسيرورته على أسوار القدس الشامخة كشموخ الشعب الفلسطيني في صمود رموزه الدينية كالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة وأهلنا المقدسيين المرابطين داخل زهرة المدائن ايقونة فلسطين والعرب. هل سيكون حال الغزاة الإسرائيليين الصهيونيين الهمجيين أكثر حظًا وشأنًا وإنسانية من حال من سبقوهم من الغزاة الأوروبيين في القرون الغابرة حين داست أقدامهم تراب الوطن العربي. ان الشعوب تمهل ولا تهمل، وان الاحتلال مهما بلغ من القوة والاستبداد والظلم وغيّر وبدّل كما يحلو له، فان شمس الشموس ستبقى مشرقة، فالاحتلال مصيره الزوال وإلى غير رجعة، هكذا تكتب قوانين تطور المجتمع البشري وهكذا قوانين الكفاح والنضال من اجل الحرية والاستقلال، وهكذا قال الشاعر:
إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر
يا جبابرة هذا الزمان، وعلى هذا المكان الذي ليس لكم وحدكم، نحن من هذه الأرض وملحها، وعلى هذه الأرض سنعيش ونحيا ونتجدد، دومًا نتجدد. فنح باقونعلى أسوار الصمود وكبرياء الشموخ الفلسطيني وقوافل الشهداء التي لا تتوقف في إرواء التراب الفلسطيني ليصبح الوطن والقضية الوطنية هوية سيادية تعيش في وجدان وأحاسيس كل مواطن فلسطيني في الغربة المؤقتة ومخيمات اللجوء والموت البطيء أو في ما وراء وأعالي البحار.
أما أنتم حكام إسرائيل، يا جبابرة القوة والطغيان والحرب والعدوان، لو كان لديكم مثقال ذرة من الشجاعة لاستطعتم محو آثار عدوان حزيران وكل الجريمة التي بدأتموها قبل أكثر من نصف قرن بحق الشعب الذي فشلتم في تصفيته على مر كل حروبكم العدوانية ومراحل الصراع معه، لأنكم لا تملكون من الحق شيئًا وإنما تملكون من القوة لتحولوها إلى "حق" بينما شرعية وقوة الحق هي الأساس ولا تُغلب مهما طال الزمن واشتد الصراع. فشعبنا الأبُّي يملك قوة الحق والشرع على ارضع ووطنه الذي نعيش فيه ويعيش فينا.
(كويكات/أبوسنان)
