كما في كل عام، عندما يقتربُ فصل الشتاء، وتبدأ التحضيرات لمواجهة البرد والرّياح العاصفة والأمراض الموسميّة المزمنة، تأخذني الذكريات إلى سنوات بعيدة، عندما كنتُ أعيش في البلدة البعيدة، وسط أسرتي المحبّة، ونقضي ليالينا الشتوية حول الوِجاق المليء بالحطب المحترق، الموزَّع حرارتَه في كلّ أرجاء البيت. نلتفّ حول جدّنا المحبّ، يروي لنا القصص المشوّقة.
تعود بي الذكريات اليوم إلى تلك الأمسيّة المميّزة التي كدنا نخسر فيها جدّنا ونُحرَم من سماع قصصه الجميلة.
في تلك الأمسية الشتويّة تحلّقنا حول وجاق الحطب، أنا وأبي وأمي وأخواتي الثلاث. أبي يُحزّرنا الحزازير، يحكي لنا قصة ليلى الحمرا والذيب وقصصًا أخرى ذات مغزى وعبرة ونصيحة لنتعلّم منها الصّواب. كنتُ أجلس في حضن أمي أمرّر بأناملي على وجنتيها عندما سمعتُ دقّا على الباب البرَّاني القريب من الغرفة الشتوية، وقفتُ بسرعة، ركضتُ، فتحت الباب وإذا بجدي يقف أمامي، هجمت عليه، حضنني بيد واحدة واليد الثانية متجمّدة لا تتحرّك، رأيت شيئا يحمله تحت إبطه، سألته:
- شو هذا سيدي؟ وليش مْخَبّيه تحت باطك؟
- قال: هاي سْفينة
- قلت له: كنّك بتعْرفش تحكي سيدي هايإسمها سَفينة...بعدين السّفينة بتكون في البحر مش تحت الباط.
شدّني إليه ودخل ضاحكا يُعيد ما قلته له ليضحك والدايّ وتظهر علامات الاستغراب على وجوه أخواتي. جلس جدّي في مكانه المعتاد،سأل عن صحّة كل واحد، وبعد أن شرب القهوة ذكّرناه بوعده لنا أن يحكي قصة "أبو زيد الهلالي". ضحك وقال:
- وبعدها راح أفاجئكم بكلام كثير حلو ومهم ما سْمِعْتوش مثله من قبل.
وبدأت رحلتنا الجميلة مع أبي زيد الهلالي، نتنقّل معه من مكان إلى مكان، نتعرّف على الذين يلتقي بهم، وننفعل بمواقفه البطولية وشجاعته، ونشاركه بعض المعارك التي يخوضها بالحماس الذي نُبديه والصراخ الذي نسمعه، وجدّي يهدّئنا ويقول: شويّ شويّ. وبدأ جدي يقرأ بعض أبيات الشعر الجميلة التي قالها أبو زيد ثم أخذ يرتلها ويغنيها ويجوّد في ترديد حروف كلماتها، وسحرنا بصوته الجميل فما كان من أختي الكبيرة أن وقفت وبدأت ترقص على إيقاع صوت جدي العذب، وانضممنا إليها، وأخذنا نتمايل ونتثنى وجدّي مستغرق في إلقائه الجميل ووالداي يضحكان بسعادة لما يُشاهدانه . وتوقف جدّي وقال محذّرا
- والآن مفاجأتي الحلوة إلْكم. أحضرت لكم السْفينة وهي كلام الخير والصدق والمعروف. بس بديش ضجة ورقص مثل ما عملتوا، هذا كلام خير وما بنفع ما نكنش مْأدّبين.
ووعدناه . فسحب الكتاب ذا الجلدة السّميكة الحمراء الذي حمله تحت إبطه، سارع أبي ووضع محرمة على رأسه وعقَدَها من الأمام كي لا تسقط. فتح جدّي كتاب السّفينة، وبدأ يقرأ اجمل الكلام.. فيه حثّ على الصّبر،والمحبة والتّسامح. ثمّ انتقل إلى صفحة اخرى واختار شعرا، بدأ يقرأ الشّعر بتجويد جميل فاتن ساحر.استحوذ علينا الكلام، وسرقنا الصوت الجميل من أنفسنا، تملّكنا الطرب، انفعلنا، بدأنا نصفق، ووقفت أختي وبدأت ترقص والأخرى تزغرد. وجدّي لاه عنّا مستغرق مع نفسه بكلام الخير واللحن الجميل، ووالدي يهز رأسه متابعا الكلام واللحن، وأمّي تراقبنا وتحذّرنا من غضب جدّي بإشارات تُكرّرها بسرعة.
فجأة انتفض جدّي ووقف على حيله وقال: يا عيب الشوم عليكوا، هذا كلام مثل كلام الدين بالضبط، هيك بتعْملو! ؟ عَكُلْ حال الحقّ مش عليكوا، الحق على بوكوا الّي مَعرفش يربّيكوا...
حمل جدي الكتاب، انتعل حذاءَه بسرعة، طرق الباب وذهب..
ليلتها غضب أبي كثيرا. أمي باغتها الضحك، لم تستطع أن تُمسك نفسَها، هربَتْ مسرعة إلى المطبخ حتى لا يراها ابي. جَمعَنا أبي وقال: مش عيب عليكوا.. هاي عَمْلِه تعملوها... هاي قلّة احترام للدين ولسيدكوا وإلي كمان... بكفّيش سيدكوا اهتمّ وإجا في الشتا والسّقعة...قلنا: شو نِعْمَلّك يابا، إحنا مِنْحبّ الغَناني..
يومها لم نعرف أنّ هذا الكلام، كلام دين، خجلنا من أنفسنا، طلبنا من أبي أن يذهب ويزور جدّي ويخبره بأننا اشتقنا إليه ولسهراته ولسماع صوته الجميل.
أذكر أنه مضى أسبوع، حتى سمعت دقّات على الباب، ركضت فتحت الباب وإذا بجدي يقف أمامي، يحمل تحت إبطه، الكتاب السّفينة، فرحت كثيرا، بدأت أقفز وأنطّ من السعادة، لأنّ جدي سيُغنّي لنا الليلة.
بعد السلام وشرب القهوة وتناول النُقْليّات التي يحبّها جدّي، فتح السّفينة، جلسنا حوله كالعادة، بدأ يقرأ بصوته الجميل الناعم والحروف تتماوج بين شفتيه ونحن مأخوذون بما نسمع، لم نستطع التطلّع في وجهه، خشية أن يُصيبنا ما أصابنا في المرّة السّابقة، وضعنا رؤوسنا بين أرجلنا، أكتافنا تهتزّ، رؤوسنا تتحرّك يمينا وشمالا، طَرَبا وإجلالا لهذا اللحن السّاحر.
وانتبه جدّي لما نفعله فحاول التّجاهل، واستمرّ مُستمتعا بما يقرأ ويُرتّل، وبين الفينة والثانية يرمقنا بطرف عينه ويهز رأسَه. شكرنا جدّي على ما متّعنا وأفرحنا به ورجوناه أن يأتي كلّ ليلة فنحن في انتظاره دائما. ضحك جدّي وقال ممازحا:
- انتو بتضحكوا عليّ يا مقصوفات العمر، طيّب أنا مش راح آجي كل الأسبوع.بخاطركوا وتصبحوا على خير.
ابتعد جدي لتبتلعه عتمةُ الليل، وعدتُ وأنا في شوق للمزيد من كلامه.
ياه.. كانت أيام زمان جميلة وأمسيّاته ساحرة، حتى الشتاء زمان كان أحلى. وسَرَقني التّفكير والكلام.منذ الصّغر أحببتُ الغناء، تولّعتُ بكلّ لحن جميل، ردّدتُ الألحان وراء أمي وجدّي وحفِظتُ الكثير. طرِبتُ لكلّ الاغاني.أحببتُ الصّلوات، التراتيل، الأذان والمَوشّحات. أحببتُ أغاني أم كلثوم أسمهان صباح وسميرة توفيق.. كانت الموسيقى غذاء روحيا.
كانت، يا خسارة..
كل الحلو كان..
كان زمان في ذلك الزمن الجميل!.
(الرامة)