إن الواقع المأساوي الذي يعيشه عالمنا العربي اليوم هو أسوأ واقع حيث إن شعوب هذا العالم تعيش تحت مظلة قيادة من أكثر القيادات تخلفا على مدى تاريخ العالم العربي منذ نشأته وحتى يومنا هذا. ان هذا العالم العربي الذي تقوده السعودية ودول الخليج والتي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن ان تضمر أي خير لشعوبها، وهي عمليا الجزء المحوري في مثلث الشر المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية والحركة الصهيونية والرجعية العربية.
هذه القوى عملت وما زالت تعمل على تمزيق وتفتيت وخلق الفتن الطائفية والاقليمية في داخل عالمنا العربي وإعادته الى مراحل التخلف وتمزيقه وتقسيمه الى إمارات على شاكلة السعودية ودول الخليج، من أجل استمرار سيطرتهم واستغلال ثروات هذه الشعوب الطبيعية لمصالح الاستعمار والصهيونية العالمية والرجعية العربية.
ان مصر التي كانت تسمى مصر العروبة ومصر أم الدنيا التي كانت من المفروض ان تقود العالم العربي نراها مجرورة من أنفها وراء السعودية المتخلفة فكريا وسياسيا واجتماعيا من أجل المال، ولذلك لا نرى أية دولة عربية جدية تواجه هذه الدول المتخلفة لتقول لها: "قفي عند حدك". يكفي لهذه المؤامرات التي تحاك ضد شعوبنا العربية بالتعاون والاشتراك مع الاستعمار والصهيونية العالمية المتمثلة بحكام إسرائيل والذين لا زالوا يحتلون الأراضي الفلسطينية والعربية، ويتنكرون لحق الشعب العربي الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
إننا نرى ان السعودية التي تآمرت وما زالت على سوريا وفي الوقت نفسه نراها أيضا تعلن وتقود الحرب على اليمن في الوقت الذي فيه جميع الدول العربية تقريبا تقول لها "آمين" والسعودية ودول الخليج تعلن عن حزب الله على انه "منظمة إرهابية" والأكثرية المطلقة من الدول العربية تقول أيضا "آمين" بما فيها السلطة "الوطنية" الفلسطينية، وهذا عمليا هو واقعنا المر اليوم. وكما يقول المثل "اذا كان قائد المركب قرد..." وللحقيقة انه ليس قردا فقط بل إنسانا متخلفا أكثر بكثير من القردة، فماذا نتوخى من هكذا أنظمة تحمل أكثر الأفكار تخلفا ورجعية وبالرغم من تخلفها هذا نراها ويدون أي حياء تتحدث باسم العروبة والإسلام، والعروبة والإسلام منهم براء.
إن السعودية ودول الخليج التي "مارست الدعارة" في الماضي بالسر مع حكام إسرائيل أصبحت اليوم تمارسها بالعلن وعلى رؤوس الأشهاد من خلال الوفود العلنية المتبادلة بين حكام هذه الدول وحكام إسرائيل ولا نسمع أي انتقاد لهذه العلاقات من حكام أية دولة عربية لأن هذه الدول كما قلت في السابق مجرورة وراء حكام السعودية ودول الخليج.
إن السعودية ودول الخليج وتركيا عملت وما زالت على خلق الصراعات بين الفصائل الفلسطينية والتي أضرت ولا زالت تضر بالشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال. وبدل ان تتوحد جميع الفصائل لمجابهة الاحتلال وموبقاته نرى بعض الفصائل تقوم بانقلاب عسكري في غزة وتقيم لها "إمارة" هناك، وفي المقابل نرى الضفة وقد أصبحت هي أيضا "إمارة" بالرغم من ان شعبنا وباقي الفصائل الوطنية الأخرى تدعو الى إعادة الوحدة النضالية لجميع الفصائل، ولكن قيادة هاتين الإمارتين تصم آذانها عن نداءات شعبنا الداعية الى إنهاء الانقسام المعيب.
إن هذا الواقع المأساوي الذي يعيشه شعبنا العربي الفلسطيني هو ما تريده إسرائيل والسعودية وتركيا ومن نافل القول ذكر ان الاستعمار هو أس البلاء وأصله.
إن منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية اتخذت موقف الحياد مع بداية الأزمة السورية وهذا هو الموقف العقلاني والمسؤول خاصة وان شعبنا يعيش تحت الاحتلال ومن الطبيعي ان يكون موقفه حياديا ولكنه مع الأسف لم يبق على هذا الموقف.
المؤسف انه عندما أعلنت السعودية إقامة ما يسمى التحالف العربي ضد اليمن أعلن محمود عباس انه مع هذا التحالف وعندما أعلنت السعودية عن إقامة ما يسمى التحالف الإسلامي أعلن أيضا محمود عباس "أنه مع السعودية بدون تأتأة" ومن بعده أعلن ذلك "كبير المفاوضين" صائب عريقات وهذا عمليا بالرغم من كل المواقف المخزية والإجرامية التي تقفها السعودية ودول الخليج. والذين أجرموا بحق شعبنا الفلسطيني والشعب السوري واليمني واليوم نراهم يحاولون ضرب الشعب اللبناني وخلق فتنة طائفية في داخل هذا البلد المسالم وتراهم أيضا يعلنون عن حزب الله "منظمة إرهابية". (الإرهابي مين مين يا قتلة الملايين).
إن مواقف هذه الدول خالية من أي ذرة من الكرامة القومية أو الإنسانية فهل تستحق الوقوف معها وخاصة من منظمة التحرير الفلسطينية التي أعلنت في العام 1974 عن استقلالية قرارها الوطني. إننا نرى اليوم ان قيادات هذه "الإمارات" تتخلى عن قرارها المستقل نتيجة لاعتمادها على "الفتات" من السعودية ودول الخليج لذلك لا يمكن لمثل هذه القيادات ان تكون ضدها.
ماذا تتوقع القيادة الفلسطينية من دول الخليج؟ من خلال علاقات الدعارة السياسية مع حكام إسرائيل؟ هل يمكن ان تجلب خيرا للشعب الفلسطيني؟ هل مثل هؤلاء يفكرون بالشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ومأساته التي يعيشها يوميا؟ الحقيقة انه نتيجة هذه العلاقات تزداد شهية حكام إسرائيل في الاستيطان والتنكر لحق الشعب العربي الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، والى زيادة الإعدامات الميدانية ضد الأطفال الفلسطينيين وازدياد سن القوانين العنصرية ضد جماهيرنا العربية في الداخل وفي المناطق الفلسطينية المحتلة وكما ما يقول المثل: "يا طالب الدبس من قفا النمس". الواقع ان كل هذه القوى تآمرت في الماضي وما زالت على شعبنا الفلسطيني وقضيته العادلة.
ان أي إنسان عادي وبسيط مثلي يقول انه لا يمكن لشعبنا ان يتخلص من الاحتلال وموبقاته إلا بانتفاضة جماهيرية تفرض الوحدة الوطنية الصادقة على قيادات جميع الفصائل الفلسطينية وبشكل أساسي على حماس وفتح والتخلي عن "الإمارات" التي أقاموها من أجل مصالحهم الذاتية. عندها فقط يمكن ان تسترد هذه الفصائل هيبتها ودورها الخاص والمتميز من قبل المعترف به من قبل الأعداء والأصدقاء وفي الوقت نفسه تستعيد قرارها الفلسطيني المستقل كما كان في زمن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
هل يمكن ان يحدث هذا؟ انا ثقتي كبيرة بشعبنا العربي الفلسطيني انه في نهاية المطاف سوف يفرض هذا الموقف على جميع القيادات الفلسطينية والذي بدونه لا يمكن لقضية شعبنا ان تحرز تقدما.
وها نحن نرى ان وزراء الخارجية العرب يتخذون قرارا بالأكثرية المطلقة على ان حزب الله هو "منظمة إرهابية" وقد صدق وزير الخارجية العراقي الذي قال لهم "ان من يتهم المقاومة بالإرهاب فهو الإرهابي".
إن الجامعة العربية التي تتخذ مثل هذه القرارات المخزية لم تعد في الحقيقة لا جامعة ولا عربية بل من الأفضل اليوم تسميتها بمفرقة العرب وبمهينة للعالم العربي كله نتيجة لمواقفها الذليلة.
في النهاية أقول انه بالرغم من الواقع المأساوي الذي يعيشه عالمنا العربي اليوم ولكني كلي أمل وثقة بأن شعوبنا العربية سوف تنتفض ضد هؤلاء الأمراء والملوك الذين لا يوجد عندهم ذرة من الكرامة العربية والمتخلِّفين في الوقت نفسه وتأخذ مصيرها بأيديها وتعيد هيبة ومكانة هذه الشعوب بين شعوب العالم.
(عرابة البطوف)
