منذ أخذت موضة تصوير "السلفي" طريقها إلى المناسبات الاجتماعية والسياسية حتى تحولت إلى مواقف مضحكة وحزينة وجريئة وغريبة، المهم يكون البطل وصاحب الصورة يقظًا ومنتبهًا أن الذي خلفه أو حوله يجب أن يكون واضحًا مشيرًا إلى المكان والوجوه التي يجب أن تُصور، لكن رغم أكوام الصور التي تتكوم أمامنا لم نجد صورة سيلفي مع الذل، نعم الذل الذي يرافقنا ويجرنا ويمسك بتلابيب ثيابنا، لم يجرؤ أحد على تصوير نفسه مع ذله العربي، لكن هناك من قاموا بتصويرنا وبث صورنا عبر وسائل الإعلام الغربية والشرقية، حتى أصبحنا ماركات مسجلة ليس فقط للجوء والهروب، ليس للفقر والجوع، لكن لشعوب خلعت أثواب الانتماء للأرض والتراب والأوطان، للبيوت والساحات والمدارس والملاعب، وهربت حاملة خوفها ودورتها الدموية العربية، هائمة في دول كانت سابقًا عبارة عن شبكات عنكبوت انقضت على تاريخهم وأرضهم، امتصت الثروات وقسمت الجغرافيا وبعثرت الناس وقسمت الطوائف، ها هي بريطانيا التي منحت فلسطين وطنًا قوميًا لليهود وكانت السبب في التشريد الفلسطيني، تحاول إبراز حنانها وترضع اللاجئين حليب الشفقة والرحمة والود، ولا ننسى الانتداب البريطاني على مصر والعراق سنوات طويلة، وفرنسا التي فصلت لبنان عن سوريا وقامت بتفتيت النسيج الاجتماعي عبر إشعال الطائفية، وخلقت أوضاعًا سياسية لكي تبقى تلك الدول على نار الاقتتال، ولا ننسى استعمار الجزائر وتونس والمغرب، أما أمريكا يكفي سجلها الإجرامي الموجه نحو العرب، يكفي أصابعها الخبيثة التي تلعب بها خلف الكواليس وأمام المسرح السياسي، اليومي ولا تخجل من انحيازها ضد الشعوب العربية، خاصة الشعب الفلسطيني، ويكفي تدميرها للعراق دولة وشعبًا وجيشًا، وتدميرها لليبيا، ولسوريا التي تواجه أشرس حملة فتحت أشداقها لكي تبتلع الدولة، تحت مسمَّيات وحجج نعرف مقدمًا خواتمها.
أما ألمانيا فهي جنة المعذب والحضن الدافئ، وميركل الأم الحنون، العطوف، ألمانيا التي ساهمت في تدمير سوريا، تعمل الآن على إنقاذ السوريين من الغرق والموت البحري، ألمانيا التي ترسم الخطط وسراديبها تشهد على المؤامرات، الآن هي قِبلة العرب، وبين الشكر والثناء للألمان تتسع رقعة الجرح العربي وتتسخ وجوه الأنظمة العربية، خاصة الدول النفطية التي لم يستطع النفط حملها إلى مصاف الدول الحنونة، وبقيت في خانات التواطؤ ترتع في رفاهيتها المحاطة بالخواء والفراغ والأبراج التي تطاول الفخر ولكن لا تصافح الإنسانية.
(هل في وسعك أن تكون طبيعيًا في واقع غير طبيعي ) هكذا همس شاعرنا محمود درويش، وماذا نقول عن وضع يقذف الوجوه المخملية الغربية، الرئاسية والحكومية لتتصدر الشاشات التي تحيط بجثث الموتى وشهقات فرح الناجين، يحاول هؤلاء مد يد العون والشفقة كأنهم ملائكة القرن الجديد، كل واحد نفخ نفسه كأنه سوبرمان جاء لينقذ المواطنين العرب، ها هم يفوزون بصفقات العطاء، يدهنون وجوههم بالمساحيق البيضاء، لتغطية الملامح الوحشية والهمجية وسراديب المؤامرات التي عبر عتمتها يوزعون الظلمة والظلم والظلام على الوطن العربي.
انه اللجوء والهروب والبحر الغامض، الغاضب، والجثث التي تحولت إلى أرقام وهويات مبللة بالدموع والنسيان، والمعجزات رقصت على أقدام الذين وصلوا اليابسة ورفعوا الأيدي للتلويح، معتبرين دخولهم محطات جديدة لأوطان ترسم وجودهم عبر الاستقبال الباهر.
الدول الأوروبية تتنافس على طريقة الاستقبال الإنساني، المظاهرات، توزيع الهدايا والطعام، جميع هذه الدول التي شاركت في نصب الفخاخ في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين، تنثر حَب القمح للحمام الهارب، تمسح زجاج نوافذ الإنسانية، وقلوب تلك الدول أصبحت عبارة عن كتل من الأمومة والرحمة، تريد أن تستعرض عضلات حُبها وشفقتها، حتى الشفقة والإنسانية وصلت إلى زعيم المعارضة الصهيوني يتسحاق هرتسوغ فدعا الحكومة الإسرائيلية لاستيعاب لاجئين سوريين هكذا طلب أمام الشاشة التي تسيل منها ذرات الحنان ومحلول الشفقة، لكن نتنياهو صاحب القلب الطيب أكد (إسرائيل ليست غير مبالية بالمأساة الإنسانية للاجئين السوريين والأفارقة، لقد قدمت إسرائيل العلاج الطبي لأكثر من 1000 جريح سوري وقدمت لهم المساعدة، ولكن إسرائيل دولة صغيرة ولا يوجد لها عمق ديموغرافي وجغرافي لتحمل أعباء اللاجئين ).
إسرائيل التي من سياستها التشريد، وأقامت دولتها على اقتلاع الشعب من أرضه ووطنه، وما زالت تنكل يوميًا بشعب كلما نقش عنوانه على الحجر، تقوم إسرائيل بوضع الحجر على الجدار حتى ارتفع الجدار إلى عنان السماء، إسرائيل دخلت على خط الرحمة وركب القطار أسوة بالدول الأوروبية.
الزمن كفيل لفتح الصفحات، الزمن كفيل بالكشف عن الوجوه.. لكن الزمن سيقف جيدًا أمام ظاهرة الهروب، لماذا تركوا الأوطان للنهش والقضم والتدمير؟ لماذا لم يدافعوا عن الوطن؟ لماذا تركوا العصابات التكفيرية تدمر وتسحق؟ الاختلاف مع النظام الحاكم لا يؤدي إلى ترك الوطن.
الشاعر التركي ناظم حكمت قال يومًا (وطني أين يسلم جسمي ومالي) ثم تراجع فالوطن هو الوطن.. في المستقبل هل ستكون هناك صحوة، وهجرة العودة؟ أم ان ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية قد أحكمت الطوق حول الرقاب لتفريغ سوريا ورسم حدودها من جديد..؟
