"تكات" الساعة

single

كان بطل إحدى الروايات من أمريكا اللاتينية، وهو موظف في مصلحة حكومية، منشغلاً بما سيفعله بعد أن يُحال على المعاش، كان مرعوباً من الوقت الفائض الذي سيتوفر عليه ساعتها، ولن يعرف كيف يجزيه .

روائي آخر من هناك أيضاً، من المكسيك تحديداً، ينصحنا، بشكلٍ قاطع، بألا ننظر إلى ساعتنا التي هي برأيه: "ذلك الشيء العديم الفائدة الذي يقيس الزمن على نحو مضجر وفق الغرور البشري، هذان العقربان الصغيران اللذان يحددان الساعات الطويلة التي اخترعت لتمويه الزمن الحقيقي، الذي يتسابق بسرعة قاتلة وصفيقة لا يمكن لأي ساعة قياسه على الإطلاق، لأنك لن تمسك بين يديك ذلك الغبار الذي لا جسم له".

يُذكرنا هذا بحكاية مواطن أمريكي حكم بالسجن لمدة سنة كاملة لأنه قام بإطلاق النار على ساعة حائط مما أدى إلى تدميرها تماماً بحجة أن صوت تكاتها يزعجه . وكيل الإدعاء أشار مازحاً إلى أن المتهم ربما كان يحاول أن يقتل الوقت بالمعنى الحرفي للكلمة . لم تكن الساعة إذن هي الهدف وإنما قتل الوقت!

أستاذ الاقتصاد الدكتور جلال أمين يرى أن كل ما ابتدعناه خلال العقود الماضية من وسائل لسد الفراغ ظهر انه غير كاف لحل مشكلة الوقت الفائض، فلا التلفزيون الملون ولا الفيديو ولا السياحة ولا مختلف أنواع الألعاب الرياضية والمباريات، ولا إطالة فترات الأعياد القديمة، ولا التفنن في وسائل ترغيب الناس في الاستهلاك، ولا إطالة مدة التعليم وحشو المقررات الدراسية بالكثير مما لا نفع فيه إلا ضمان استمرار جلوس أكبر نسبة من الشباب على مقاعد الدراسة لأطول مدة ممكنة .

كل هذا لم ينجح في التخفيف من الشعور بالوحدة أو بالملل، بعد انقضاء يوم العمل القصير، خاصة وأن العمل نفسه قد أصبح في كثير من الأحيان قليل المشقة، بالغ السهولة، حتى ليكاد يكون جزء كبير من وقت العمل نفسه أقرب إلى أن يكون من "أوقات الفراغ" .

لكن ما يغفله كل أولئك أن الإحساس ببطء الوقت أو طوله، بخفته أو ثقله، يخضع للحال النفسية التي نحن عليها، وما من أحد منا إلا واختبر هذا التفاوت في الإحساس بالوقت . ثمة لحظات نحس بثقلها على الروح حد الاختناق، وثمة لحظات من السعادة الغامرة التي لفرط سعادتها تركض كأنها على عجلة من أمرها .

()

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا للاستيلاء على الشاطئ..

featured

ناصرتي يا حياتي

featured

عمر سعد القُدْوة

featured

أنصِفوا المعلمين وارفعوا أجورهم!

featured

ما علاقة الله بقوانين الأحوال الشخصية؟

featured

مجرد بقاء الفلسطيني حيًّا جريمة في نظر الاحتلال!

featured

قل لا للمخدّرات نعم للرياضة والحياة

featured

هل يمكن منع آفة ونزعة الشر ؟