هناك نوعان من الانتحار، جسدي ينتهي معه كل شيء وغالبًا ما يكون اليأس والإحساس المرير بالفشل سببه، والآخر هو الأشد خطورة رغم أنه نادرًا ما يلفت الانتباه وهو الانتحار العقلي، أي وصول الإنسان إلى لحظة ينوء فيها بحمولة الوعي التي لا تطاق، فيقرر إلقاء هذه الحمولة واختيار الصمت.
وحين تحدث الفلاسفة ومنهم ألبير كامو عن هذا النمط من الانتحار أعادوا أسبابه إلى خلل عميق في توازن من يلجأ إليه فهو لا يجد المجال الحيوي لوعيه فيبدأ بأكل نفسه من الداخل أو يقرر الهجرة إلى الأعماق، ومن انتهوا إلى هذا المصير هم أناس لا ينقصهم الذكاء، لكن ما ينقصهم هو الإرادة، والصبر، فقد تمنوا تغيير العالم كما يشتهون وفي أقصر مدى كي يشهدوا بأنفسهم هذا التغيير، لكن الواقع بقوانينه لا يعبأ بالشهوات والرغبات، وله إيقاع لا يتناغم على الإطلاق مع إيقاع الأفراد خصوصًا إذا كانوا متعجلين ونافدي الصبر.
وقد شهد هذا العصر انتحارات عقلية عدة، لكنها لم تجد طريقها إلى موسوعة غينيس أو أي إحصاءات لأنها عملية شبه سرية، ولا تستخدم فيها الأدوات والأساليب التقليدية للانتحار.
وتبعًا للتحليل النفسي فإن من ينتحر عقليًا هو الإنسان الذي يقال عنه إن عينه بصيرة ويده قصيرة، فالوعي بالعالم قد يصل ذروته، ويصبح كل شيء قابلًا للنقد والنقض معًا، لكن العجز عن إحداث تغيير فعلي يجعل الوعي كسلاح حاد يرتد إلى عنق حامله، وإذا كان الانتحار الجسدي يسدل الستار تمامًا على حياة انتهت إلى الفشل، فإن الانتحار العقلي أنكى وأشد إيلامًا لأن من يمارسه يلغي وعيه إراديًا ويبقى على قيد الحياة، ويموت في كل لحظة، لهذا افتخر الفرنسي هنري ميشو على زملائه الأوروبيين بأن بلاده اخترعت المقصلة التي تقطع الرأس وتنهي الحياة، بينما الانتحارات العقلية في أوروبا تقطع اللسان فقط وتبقي الرأس حيًا.
والمقصود بهذا التعبير الرمزي أن الموت أفضل من حياة بلا معنى وبلا شهادة أو حتى بوح باللسان.
وحين نشهد كل هذا الصمت واللامبالاة بما يحدث في عالمنا من انتهاكات وتنكيل بآدمية البشر حيث يعاملون أحيانًا كالنعاج ندرك على الفور أن نسبة الانتحار العقلي لدى من أنيطت بهم الشهادة على ما يجري قد تضاعفت، وإن ما قاله ميشو عن قطع الألسنة والإبقاء على الرؤوس هو حقيقة يجب الاعتراف بها، لأنه لم يحدث من قبل أن بلغ التواطؤ هذا الحد الذي ينذر بوداع الإنسان.