أنموذج برهان غليون

single

غليون. زعيم معارضة يفعل ما يُطلب منه



//
الإدارة الأميركية والإدارات الحليفة وأتباعها المحليون منهمكون في العمل لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة بحيث لا يبقى فيها من يجرؤ على الجهر بموقف معارضٍ لهم. إعادة الترتيب تتخذ أساليب متنوعة ويظل لها هدف واحد: اجتثاث كل ما ليس ملائمًا لإحكام الهيمنة الامبريالية الكاملة على منطقة الثروات هائلة الحجوم، وتمكين خُدّام الولايات المتحدة الأثيرين، إسرائيل وسواها، من الاستمرار في الخدمة دون منغصّات.
طبيعة الهدف تُحدد المستهدفين. ولئن كان بين هؤلاء حكام متسلطون وفاسدون، فان كلّ من تضعه مواقفه وسياساته في معارضة الهيمنة الامبريالية مستهدف، وكل من تضعه مواقفه وسياساته في الخدمة مستثنى حتى لو كان، كما هو الحال فعلا، من أفسد الحكام وأشدّهم تسلطًا على شعبه.
وفي الأساليب المتنوعة تتواتر سماتٌ مشتركة سيركّزُ حديث اليوم على واحدة منها فقط: إيلاءُ مهمة مناوءة الحاكم المستهدف لمعارضين يمهدون الطريق لاجتثاثه على أيدي مستهدفيه، ورعايةُ هؤلاء المعارضين إلى أن تُنجز المهمة بكاملها. والملاحظ أن الأفضلية في الرعاية يتمتع بها المعارضون الذين لا تؤهلهم قدراتهم على التفلّت من التبعية لرعاتهم إن خوّلت لهم أنفسهم لأي سبب من الأسباب ان يتخذوا في المستقبل نهجًا مستقلا.
على هذا، يتمتع بالأفضلية بين المعارضين أولئك منهم المقيمون في الخارج، خصوصًا المقيمين في الدول الامبريالية أو الدول التي يحكمها أتباعها المحليون. وبين هؤلاء يتمتع بالأفضلية من انخلعوا عن أوطانهم منذ مطالع شبابهم أو ولدوا خارجها. والأفضلية بين المنخلعين يتمتع بها من لم يمارسوا أي مسؤولية سياسية من قبل. وبين هؤلاء يتمتع بأفضلية خاصة أولئك الذين يحملون ألقابا أكاديمية توفر لهم هذه المهابة الخاصة التي لحمَلة هذه الألقاب.
الوقوع على أعداد كثيرة من معارضين تتوفر لكلّ منهم هذه الصفات جميعها صعبٌ ان لم يكن متعذرًا. وحين يعثر صانعو معارضات الخارج على واحد من هؤلاء فسُرعان ما يصنعون منه زعيمًا يُولّونه مركز الصدارة ويُطبّلون له ويُزمّرون ويأمرون أتباعهم بأن يرقصوا له أيضًا.
فلنأخذ مثلًا آخرَ هؤلاء، وهو برهان غليون. أذكر اسم رئيس المجلس الوطني لمعارضة الخارج السورية بغير لقبه الأكاديمي، لأني ألفتُ أن أفعل هذا منذ تعارفنا، هو وأنا، في منتصف ستينيات القرن المنصرم، ولأني لا أجد ما يحملني على تبديل مألوفي، أنا الذي لا يفتنني حامل لقب لا يحترم هو نفسه ما يوجبه عليه.
عمل برهان في مطلع شبابه معلم مدرسة في حمص لسنوات لم تطل. وحدث ذات يوم أن فقد من جاء إلى التعليم بغير تأهيل كافٍ السيطرةَ على أعصابه إزاء صخب تلاميذه، فانفجر في وجوه التلاميذ الصغار ولعن دينهم ودين آبائهم وربّهم. لم يفعل برهان هذا في سرّه، بل جهر باللعن وكرّره بالصوت الملآن. وقتها، كانت الرجعية الحمصية، وبضمنها الرجعية الدينية، منهمكة في جولة من جولات مناوأتها لحكام سورية الذين أعادوا تأميم الشركات الخاصة الكبيرة وأدخلوا تعديلات جديدة على قانون الإصلاح الزراعي لصالح فقراء الفلاحين، فاستغلت هذه الرجعية ما وقع فيه معلم المدرسة الحكومية وجعلت منه حكاية مجلجلة.
بضغط هذه الحكاية وما تنطوي عليه من حساسية، أوقف محافظ حمص لاعنَ الدين والربّ عن العمل، وأوقف صرف رواتبه، وأحاله إلى النيابة العامة التي أحالته إلى القضاء، فنشأت قضية سارت في المحاكم بالبطء المعهود. وتلقى الموقوف عن العمل الحكومي عرضًا من جريدة "البعث" للعمل فيها. ولأني انضممت إلى الجريدة ذاتها، فقد تعرفت على برهان وعملت وإيّاه في قسم واحد فيها، في حجرة واحدة.
وتحوّطًا لحماية  صاحبي من حكم قد يصمه بما يعدّه القانون السوري جريمة شائنة، انضممت إلى كثيرين تحركوا لحماية من أخطأ في لحظة غضب. وأثمرت جهود الجميع اتفاقًا مع رئيس الدولة الدكتور نور الدين الاتاسي، فحواه أن تتواصل الجهود للحيلولة دون صدور قرار بالإدانة، فان صدر مثل هذا القرار وأدين برهان بالجريمة التي لا يشملها أي عفو لأنها موصوفة بالشائنة، فسيقدِّم برهان طلب العفو إلى رئيس الدولة، وسيحيل الرئيس هذا الطلب إلى اللجنة القانونية المختصة ويأمر في الوقت ذاته بوقف تنفيذ العقوبة إلى أن يأتيه رأي هذه اللجنة. وفي الاتفاق: ستحتفظ اللجنة بالطلب ولن تبتَّ فيه في أي وقت.
والذي حدث بعد سنوات ثلاث أن المحكمة نسبت إلى برهان جنحة الإساءة إلى الآداب العامة أو شيئًا من هذا القبيل، بدل الوصمة الشائنة، وقضت بحبسه شهرًا واحدًا فقط. ولم يُحبس برهان، لأن الدكتور الاتاسي وفى بوعده. ولأن حكم الحبس لم يبلغ ثلاثة أشهر، فقد بَطُلَ قرار وقف برهان عن العمل، وتلقّى هو من ميزانية الدولة رواتبه الموقوفة. فأضاف برهان ما قبضه دفعة واحدة إلى الكثير الذي كان، وهو غير المحسوب في المسرفين، قد اقتصده من الرواتب الكبيرة التي تلقاها من "البعث". وبهذا وذاك، توفر لمن كان في مطلع شبابه مبلغٌ يمكنه من التوجه إلى فرنسا، حيث أقام ودرس وعمل، ولم يرجع إلى الإقامة في سورية أبدًا، ولم يمارس أي نشاط سياسي من أي نوع، لا مع قوى السلطة ولا مع قوى المعارضة.
وبهذا، تأهل برهان غليون ليتمتع بالأفضلية حين احتاج العازمون على إغراق سورية بالدم والدمار إلى زعيم معارضة يفعل ما يُطلب منه ولا يملك أيّ فرصة ليصير فاعلا مستقلا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

غدعون ساعر.. خليفة نتنياهو

featured

هيك رَبِّتيني يا ماما

featured

الماركسية... وسرير بروكوست (2-2)

featured

استثمار "هبَّة الأقصى" باستمرارية شعبية: لخلق أفق سياسيّ جديد لنضال الشعب الفلسطيني

featured

قراقوش أرحم منكم يا إخوتي!

featured

زيارة فلسطينية ناجحة

featured

ألمنطلق التضليلي لحكومة الاحتلال

featured

بداية موفقة لنضال هام