نعلين وأخواتها – نموذج للنضال الشعبي
من يتابع احداث الممارسات السياسية لحكومة قوى اليمين المتطرف والفاشية العنصرية بقيادة نتنياهو، يلاحظ انها تزن الامور السياسية بمعيارين مختلفين شكليا ولكنهما يخدمان من حيث الجوهر والمدلول نفس السياسة العدوانية اليمينية. فهذه الحكومة تتحدث بلغتين مختلفتين لفظا على الساحة الاعلامية الدعائية السياسية، لغة وتوجه لخدمة سياستها ومصالح قوى اليمين المتطرف التي تنسجم فكريا وسياسيا مع قوى الاحتلال والاستيطان الكولونيالي، مع العصابات الفاشية العنصرية واحزاب ايتام ارض اسرائيل الكبرى مثل "المفدال" و "هئيحود هلئومي"، وكذلك حركة الترانسفير العنصري التي في صلب برنامج "اسرائيل بيتنا" وبرئاسة المأفون العنصري افيغدور ليبرمان.
هذا التجمّع الاجرامي يمارس "حق القوة"، البطش الدموي ومختلف اشكال العقوبات الجماعية وجرائم الحرب من مجازر وتصفيات وتدمير ومسابقة الزمن، في تجسيد سياسة الامر الواقع الكولونيالية بواسطة تصعيد العمليات الاستيطانية وتهويد اوسع مساحة من الارض والمناطق الفلسطينية وبناء جدار الفصل والضم العنصري، خاصة في القدس الشرقية المحتلة وضواحيها ومنطقة الغور والبحر الميت، اضافة الى كتل الاستيطان الكبيرة والى الدرن السرطاني للاستيطان الهامشي المنتشر في مختلف ارجاء الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة. وقد صعّدت حكومة الاحتلال من ممارساتها الكولونيالية المستهترة بالرأي العام العالمي والعربي والفلسطيني والاسلامي، وذلك من خلال دعم الاستيطان السياسي بهدف التهويد الى الاستيطان التهويدي الديني لخلق الانطباع التضليلي لدى الرأي العام العالمي وكأن الصراع بين الفلسطينيين واسرائيل ليس صراع شعب يرزح تحت نير الاحتلال الاستيطاني الاسرائيلي ويناضل من اجل حقه في تقرير المصير، حقه في الحرية والدولة والقدس والعودة، بل كأن الصراع هو على اراض متنازع عليها وصراع ديني بين اليهود والشعب العربي الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه حول التراث التاريخي والديني من مساجد وكنائس، يعمل المحتل بقوة السلاح على تهويدها، مثل اعلان نتنياهو وحكومته عن ادراج الحرم الابراهيمي الشريف في مدينة خليل الرحمن ومسجد بلال بن رباح في مدينة بيت لحم المحتلة. ولم يعد يخفى على الكثيرين في الرأي العام العالمي ان هدف حكومة نتنياهو اليمينية الاستراتيجي ليس ابدا تسوية سياسية عادلة مع الشعب العربي الفلسطيني تقر بحقه في الحرية والاستقلال الوطني في اطار دولة سيادية، بل الهدف الاستراتيجي هو عرقلة وعدم قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، بل "الموافقة" على كيان هش مخصيّ الصلاحيات السياسية والامنية ويكون بمثابة محميّة استعمارية مربوطة بحبال التبعية الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية للمحتل الاسرائيلي.
أما المعيار الآخر في موازنة حكومة الكوارث اليمينية فهو التوجه السياسي – الدبلوماسي الاعلامي للرأي العام العالمي، لدول العالم وخاصة لبلدان الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الامريكية متدثّرة بجلد الحمل ، وبأن وجهة اسرائيل نحو السلام ومستعدة "على الحارك" استئناف المفاوضات مع الطرف الفلسطيني دون شروط مسبقة، ولكن الطرف الفلسطيني يضع "شروطا تعجيزية" املائية تعرقل استئناف التفاوض. ويفعل عين الصواب قادة السلطة الفلسطينية بتنظيم هجمة منهجية لبلدان الاتحاد الاوروبي ، الرئيس محمود عباس في فرنسا وبلجيكا وغيرهما، وخاصة ان الاتحاد الاوروبي، عدة دول من داخله، وانطلاقا من المصالح الطبقية الاقتصادية والاستراتيجية، تحاول الافلات من تحت مكبس التأثير والتبعية السياسية للموقف الامريكي، مع انه في المجال الاقتصادي فان الموقف الاوروبي اكثر استقلالية عن الموقف الامريكي على الحلبة الدولية. اضف الى ذلك انه في بعض دول الاتحاد الاوروبي هنالك تناقض صارخ بين مواقف هذه الانظمة المتواطئة مع العدوانية الاسرائيلية والممالئة لها مثل انظمة اليمين الحاكمة في المانيا وفرنسا وايطاليا وغيرها مثلا، وبين حركات التضامن الجماهيرية – السياسية الواسعة والمتصاعدة مع الشعب العربي الفلسطيني ونضاله التحرري العادل، وادانة مجازر وجرائم حرب المعتدي الاسرائيلي ومشاريعه الاستيطانية. وهذا برز ابان وبعد حرب "الرصاص المصبوب" العدوانية الهمجية الاسرائيلية على قطاع غزة، ويبرز اليوم بعد اغتيال القائد الفلسطيني من حركة حماس محمود المبحوح في دُبي. كما يبرز في تجنّد اوروبيين في نشاطات الاغاثة لشعبنا المنكوب في الضفة والقطاع وفي مشاركة البعض في الاعمال التطوعية ضد الجدار العنصري العازل وفي قطف الزيتون بمشاركة اهالي بلعين ونعلين وجبل المكبر وغيرها وقوى دمقراطية يهودية – عربية من اسرائيل مثل "تعايش" والجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة. وهذا التناقض الصارخ بين موقف الجماهير في بلدان الاتحاد الاوروبي المؤيدة للحق الفلسطيني المشروع وبين الموقف المؤيد لاسرائيل العدوان والموقف المتأتئ في تحديد الموقف الصريح وبشكل واضح. ألاستفادة من هذا التناقض واستغلال ضغط حركات الاحتجاج الجماهيرية ضد سياسة انظمتها لتطوير موقف الاتحاد الاوروبي بشكل يقود الى تأييد الحل العادل للقضية الفلسطينية بانسحاب الاحتلال الاسرائيلي الاستيطاني من جميع المناطق الفلسطينية والسورية المحتلة منذ الخامس من حزيران السبعة والستين من القرن الماضي، واقرار اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على هذه المناطق وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفقا لقرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار (194).
لقد اكدنا اهمية الهجمة الفلسطينية على بلدان الاتحاد الاوروبي لشرح الموقف الفلسطيني المتمسك بثوابت حقوقه الوطنية وبالتزام اسرائيل تنفيذ استحقاقات استئناف المفاوضات السياسية الاسرائيلية – الفلسطينية ومغبة المخاطر المأساوية التي تنطوي على استفزازات اسرائيل في المجال الاستيطاني والجرائم التي ترتكبها ضد البشر والشجر والحجر في المناطق الفلسطينية المحتلة. والحقيقة هي انه توجد "زحزحة" ايجابية متفاوتة في موقف بلدان الاتحاد الاوروبي من الحقوق الوطنية الفلسطينية، ومن قضايا الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني – العربي، ولكن يجب عدم المبالغة في موقف الاتحاد الاوروبي، فاي مبالغة قد تجلب الخيبة والاحباط. ونحن نفرق بين اقوال وتصريحات المجاملة بين الرؤساء، مثل كيل المديح المبالغ فيه للرئيس الفلسطيني محمود عباس للموقف الفرنسي وللرئيس ساركوزي، الذي يندرج في اطار المجاملة، وبين الموقف الحقيقي الفرنسي على ساحة الواقع. لم ننس بعد اقتراح السويد عشية اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي قبل حوالي شهر بان تتبنى هذه المجموعة موقف ان القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة، خاصة وان الامم المتحدة لا تعترف بشرعية ضم المدينة المحتلة الى اسرائيل، ولذلك فان جميع النشاطات الاستيطانية والتهويد والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين في القدس الشرقية غير شرعي. ولكن للاسف الشديد فان مجموعة الاتحاد الاوروبي رفضت هذا الاقتراح في وقت يصعّد فيه المحتل الاسرائيلي جرائم الاستيطان والتهويد في القدس المحتلة.
ووفقا للمعلومات المتسربة من الاتحاد الاوروبي فان وزيري خارجية فرنسا، كوشنير واسبانيا موراتينوس يعدان "مبادرة اوروبية" للتسوية الاسرائيلية – الفلسطينية. وكان وزير الخارجية الفرنسي كوشنير قد اشار الى هذه المبادرة دون ان يذكر اسمها، في مقابلة اجرتها معه صحيفة "جورنال دو ديمانش" يوم السبت الماضي في العشرين من هذا الشهر. فقد اكد كوشنير انه "يمكن التفكير في الاعلان والاعتراف الفوري بدولة فلسطينية حتى قبل المفاوضات المتعلقة بحدودها، فالمسألة المطروحة حاليا هي بناء واقع، فرنسا تدرب رجال شرطة فلسطينيين وتبني مؤسسات في الضفة الغربية... على الاثر يمكن التفكير في سرعة اعلان دولة فلسطينية والاعتراف بها من قبل المجتمع الدولي قبل حتى التفاوض حول الحدود"!!
إن ما يطرحه الوزير كوشنير ليس جديدا على الساحة السياسية، انه اشبه ما يكون بما طرحه رئيس الحكومة الاسرائيلية وبتأييد امريكي حول "السلام الاقتصادي" وكأن قضية الشعب العربي الفلسطيني اقتصادية وليست سياسية، قضية مستوى المعيشة وليس التحرر من قيود الاحتلال وان تكون دولة مؤقتة الحدود تتيح للمحتل العربدة الاستيطانية وعمليات التهويد والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين بشكل يفرغ حل الدولتين من مدلوله ومضمونه السياسي. كما انه، مع بعض التعديلات توجد روابط قربى بين برنامج "السلام الاقتصادي" الذي يطرحه رئيس حكومة السلطة الفلسطينية سلام فياض وبين البنود الاساسية في افكار وزير الخارجية الفرنسي كوشنير. فأفكار كوشنير التي طرحها لا تتضمن ابدا، لا من قريب ولا من بعيد، اقامة دولة فلسطينية مستقلة على جميع المناطق المحتلة منذ السبعة والستين، بينما سلام فياض في برنامجه المطروح اقامة دولة المؤسسات والبنية التحتية في ظل الاحتلال كمرحلة تمهيدية وتحضيرية لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. في افكار كوشنير يجري الحديث عمليا، كما في برنامج سلام فياض، يجري الحديث عن انعاش الضفة الغربية، وماذا عن مصير الجناح الآخر من الوطن المحتل – قطاع غزة. وما هو المدلول السياسي يا كوشنير بالنسبة لدولة مؤقتة الحدود وحتى بدون مرجعية سياسية لعملية التفاوض؟ الا يعني ذلك اطلاق يد الاجرام الاحتلالية لمواصلة مخططه الاستيطاني الجغرافي والديموغرافي؟ ألا يعني ذلك ابقاء القدس الشرقية المحتلة فريسة بين انياب ذئاب الاستيطان والتطهير العرقي من العنصريين الفاشيين الذين يديرون اقفيتهم استهتارا بقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي والرأي العام العالمي، وبدعم من الادارة الامريكية والقوى العدوانية في الحلف الاطلسي، ماذا عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين يا كوشنير الذين يؤلفون غالبية الشعب العربي الفلسطيني ويعانون ما هو أمر من المر في الشتات القسري. وكوشنير يستخلص نتيجة انتقائية بقوله "اذا حتى منتصف سنة الفين واحدى عشرة لم تقد المسيرة السلمية الى انهاء الاحتلال الاسرائيلي فانني اراهن على ان حالة تقدم البنى التحتية والمؤسسات الفلسطينية ستخلق حالة ضغط ترغم اسرائيل على التخلي عن الاحتلال"!! ولكن في نفس المقابلة اخذ كوشنير خط الرجعة والرجوع، فقد توقع معارضة اسرائيل حتى لمثل هذا البرنامج المخصيّ الذي ينتقص من ثوابت الحقوق الوطنية الفلسطينية، معارضة الادارة الامريكية وحتى الاتحاد الاوروبي.
فالوزير يقر ويعترف في المقابلة المذكورة "سأكون ميالا لهذا الامر- الافكار – أ.س" لست متأكدا ان رأيي سيتبع ولا حتى ان كنت على حق". وفعلا اصدر الاتحاد الاوروبي تحت ضغط اسرائيل و "البيت الابيض" والمنظمة الصهيونية العالمية بيانا اكد فيه ان كوشنير عبّر عن رأيه الخاص الذي لا يعكس موقف المجموعة الاوروبية.
وفي قضية تصفية اغتيال قائد حماس محمود المبحوح ذكرت صحيفة "دير شبيغل" الالمانية امس الاول ان اعضاء في الاتحاد الاوروبي يطالبون بوقف تدريج اسرائيل في البروتوكول التجاري الذي يقدم للتجارة الاسرائيلية الى بلدان السوق تسهيلات وامتيازات في مجالي الضرائب والمكوس الاجنبية. فعضو البرلمان الاوروبي مارتين شولتس قال للصحيفة المذكورة "ان رغبات اسرائيل بتدريج البروتوكول التجاري واجه ضربة قوية بعد الاغتيال في دبي. انا اشعر ان لهذه القطيعة سيكون اسقاطات سلبية على علاقاتنا" ولكن في قرار هذه المجموعة في بروكسل امس الاول لم يجر ادانة اسرائيل بل الاكتفاء بادانة تزوير جوازات السفر!!
وآخر ما نود تأكيده هو كم كان عاملا هاما وناجعا للتأثير على تقدم الموقف الاوروبي والعالمي الداعم للحق الفلسطيني لو تجاوز اخوتنا حالات الانقسامات المأساوية ولو كان للانظمة العربية شرف التضامن الجدي مع اخوتهم الفلسطينيين وألفوا فعلا عمقا استراتيجيا لهم!!
