إلى متى سنبقى نؤسس؟

single

كل عشر سنوات أو عشرين سنة، يطلع لدينا شخص أو مجموعة أشخاص، ليؤسسوا الحركة الوطنية من جديد. فإذا كنتم قد تنكرتم للحركة الوطنية قبلكم على مدى عشرات السنين، فبالضرورة سيأتي، من "يؤسس من جديد"، فإلى متى سنبقى نؤسس؟

في الاجتماع الذي عقده حزب التجمع إحياء لذكرى القائد الفلسطيني ياسر عرفات، قال عوض عبد الفتاح، السكرتير العام للتجمع، إن الحركة الوطنية في الداخل، تم تأسيسها من جديد بعد اتفاق أوسلو في العام 1993، الذي وقعه ياسر عرفات والذي يحيي التجمع ذكراه. فإذا كانت الحركة الوطنية، حسب ما يقول الرفيق عوض عبد الفتاح، قد تأسست بالذات بعد حدث من أهم الأحداث في حياة عرفات، فكيف يمكن إعلاء شأن عرفات وهو الرمز الأهم في صياغة وتجسيد هذه "الخطيئة"- أوسلو- حسب تعبير عبد الفتاح في الاجتماع نفسه.
على كل حال، النقاش طويل في موضوع أوسلو الشائك. هذا اتفاق يدعو الفاشيون، في الشارع اليهودي، لمعاقبة موقعيه الإسرائيليين باعتبارهم "مجرمي أوسلو"، وفي الشارع الوطنجي العربي، بيننا، ينسبون إليه كل مآسي الشعب الفلسطيني.. فمن المعروف بالطبع أنه قبل أوسلو، كان للفلسطينيين دولة وعلم وعاصمة، وكانت سيارات الناس، كما يقول أحمد فؤاد نجم "تموّن بدل البانزين بارفان"..!
ولكن لا بأس، حتى في هذه العجالة، بأن نذكّر بحالة الشقاق الرهيبة التي حلت في الانتفاضة الأولى، وفي بياناتها المتناقضة: هذا يدعو إلى إضراب وذك يدعو إلى الامتناع عن الإضراب، وكيف سادت "حلة حكم": كل فرقة مكونة من خمسة أشخاص تسيطر على بلدة، بشيوخها وتجارها وأبنائها وبناتها، وتقرّر من هو الخائن ومن هو الوطني، وكيف عدنا لأجواء حلة الحكم في الجزء الثاني من ثورة الستة والثلاثين.. حتى عاف الناس ثيابهم، من حيث ضرب مصادر رزقهم وتهديد أمنهم الشخصي، وغير ذلك.
في المقابل كان هنالك الوضع الحرج الذي عايشته الثورة الفلسطينية من حصار -عربي وليس إسرائيليا- لقيادتها ولجماهيرها، وذلك بعد الموقف الفلسطيني المؤيد للعراق في حرب الخليج الأولى، وبالتالي كان التهديد قائمّا على وجودها في العالم العربي الشقيق. ولا بأس بالتذكير هنا، بالمؤتمرات التي كانت تعقد في العواصم العربية، التي اضطر الفلسطينيون فيها إلى مسايرة هذا الحاكم أو ذك، وكيف كان القرار الفلسطيني يقع تحت وطأة توازنات الأنظمة العربية، وفي حينه، رفعنا الشعار، الذي نتمسك به حتى اليوم، شعار "استقلالية القرار الفلسطيني".   
والحالة، في أحيان كثيرة، تستوجب السؤال، ليس فقط ماذا جلبت هذه الخطوة أو تلك، بل ماذا كان سيكون حالنا، لو لم نقم بهذه الخطوة او تلك. فلنفترض أن أوسلو لم يكن، فماذا سيكون حال الفلسطينيين في الشتات؟ وماذا سيكون وضع القيادة الفلسطينية المحاصرة والمحكوم عليها بالإعدام من قبل كافة الأنظمة العربية؟ ماذا سيكون مع الانتفاضة التي بدأت تأكل أبناءها؟ أسئلة كثيرة مطلوب الإجابة عليها، قبل إلقاء الكلام على عواهنه.
والأمر الأخير، في هذا الصدد، فهنالك من يعتقد أن كل خطوة هي نهائية، بالرغم من الإعلان أنها ليست نهائية. لا يوجد شيء في الوجود اسمه نهائي، فهنالك تراكمات في المكاسب و.. الخسائر، ولذلك السؤال، الذي ارتفع بعد اتفاق أوسلو، والذي اعتبرناه اتفاقًا مرحليًا ليس إلا: ماذا سيفعل الفلسطيني، بالحكم المنقوص جدًا الذي حصل عليه؟ هل سيواصل نضاله الشجاع والحكيم باتجاه الدولة المستقلة؟ أم ستنشأ لدينا قوى، كما حصل في الواقع، كانت هي أول من شككت بالكيان الفلسطيني، جديد العهد؟ فكان كل تنظيم يفعل ما يحلو له وما تفرض عليه أجندته الحزبية.. وبعد ذلك يتذمرون بأن إسرائيل لا تعترف بالدولة. ليعترف الفلسطينيون، أولا، بدولتهم، وفيما بعد، لنطلب من إسرائيل والعالم أن يعترف بالدولة... ويمكن الإطالة هنا، ولكن لا مكان في هذه العجالة لذلك.

 

وأخيرًا نقول للرفيق عوض عبد الفتاح؛ لا يمكن الاستمرار في هذا النهج. كل عشر سنوات أو عشرين سنة، يطلع لدينا شخص أو مجموعة أشخاص، ليؤسسوا الحركة الوطنية من جديد، فإذا كنتم انتم قد تنكرتم للحركة الوطنية قبلكم على مدى عشرات السنين، فبالضرورة سيأتي، من "يؤسس من جديد"، فإلى متى يا رفيق عوض، سنبقى نؤسس؟ ألم يحن الوقت لنرفع الجدران ونبدأ بصب السقف. أم أنه محكوم علينا بالشقاء الأزلي؟!

قد يهمّكم أيضا..
featured

نفتش في أحذية المزاد عن أحذية عائلة الدوابشة وحذاء منتظر

featured

إنتصارٌ هام "ويا أهلا بالمعارك"!

featured

لا عرب.. لا فلسطين!

featured

مقالات في الذات والآخر: الخيال الذي نعتقده واقعا (2)

featured

السلام للجميع

featured

لعبة كسر الإرادة

featured

لإشفاء جهاز الصحة

featured

دور روسي صاعد