*تلخيص المقال السابق: بعض مضامين الذات بعيدة عن وعينا وبعضها يشمل الآخرين ومتأثر بقراءتهم لنا. حين يتفاقم هذا الاختلاط بين الذات والآخر تكون هناك ضرورة لترتيب الأوراق من جديد. الترتيب يبدأ بالتعرف على جوانب الذات التي ابتعدت عن وعينا وإعادة النظر بقراءة الآخرين لنا والتي هي ليست بحال من الأحوال مرجعا موثوقا لفهم أنفسنا بل هي مجرد آراء تدل غالبا على قائليها أكثر مما تدل على أنفسنا*
فهم الآخر عملية لا تقل تعقيدا عن فهم الذات. فهي تجري من خلال إسقاط ذواتنا على الآخرين ومن خلال التعاطف الوجداني معهم.
*بعض مضامين الآخر بعيدة عن وعينا
طبعا نحن لا نملك كل المعلومات عن الآخرين من حولنا لكن حتى ما نعرفه لا يشكل حقيقة موضوعية بل صياغة ذاتية متأثرة بعمليات الإسقاط والإنكار النفسية أيضا، ومع هذا نعتقد في صميمنا بأن ما ندركه في الآخر هو حقيقة موضوعية ليس لها علاقة بنا. حين تكون العلاقات خلافية يميل الشخص إلى إسقاط صفاته السلبية على الآخر وإنكار الصفات الإيجابية عنه بل ونسبها إلى نفسه. فحين يختلف شخصان يعتقد كل طرف بأنه الطرف الإيجابي والآخر هو الطرف العدواني، وهكذا يكون فهم الذات وفهم الآخر متحيزا ومشوها. وبالتالي نبقى بعيدين عن إدراك الجوانب الإنسانية الإيجابية في الآخر. هناك صفات تكاد لا تنسب للذات بل للآخر فقط. مثلا، يكاد لا يصف أحدا نفسه بالأناني أو الانتهازي أو العنصري بل هذه الصفات دائما تنسب للآخرين. ومن جهة أخرى حين تكون العلاقات علاقات حب وإعجاب نميل عادة إلى إنكار الصفات السلبية في الآخر أو إلى تبريرها أو تخفيف وقعها لكي نحافظ على علاقة الحب والإعجاب، وهكذا مرة أخرى تبقى بعض مضامين الآخر بعيدة عن وعينا.
*بعض مضامين الآخر تشمل الذات
يميل ذهن الإنسان إلى تكوين صورة كاملة عن الأشياء بالاعتماد على معلومات جزئية عنها. وكأن المرء لا يرضى بأن يكتفي بمعلومات جزئية عن الأشياء. فمثلا بعد لقاء قصير مع شخص ما نكون قد كوّنا صورة عنه تشمل شخصيته وأخلاقه وحياته. كذلك خلال زيارة لا تتعدى بضعة أيام لبلد ما نعود إلى البلاد حاملين صورة كاملة عنها وعن شعبها. فيكفي أن نلتقي شخصين أو ثلاثة تعاملوا معنا بفظاظة لنحكم بأن سكان تلك البلد غير لطيفين. تتكون هذه الصورة الكاملة عن الآخر والتي تسمى الصورة النمطية بواسطة عمليات إسقاط وإنكار و تعميم يملأ فيها الإنسان الفراغ في صورة الآخر من خلال إسقاط صفاته على الآخر، وإنكار بعض صفات الآخر، وتعميم تجربته الجزئية مع الآخر على الصورة الشاملة للآخر.
في كثير من الأحيان نحاول فهم الآخر من خلال عملية التعاطف الوجداني Empathy. إنها عملية نفسية وبين-شخصية مركبة نضع فيها أنفسنا مكان الآخر لمحاولة فهمه. فإذا رأينا شخصا يبكي في عرس مثلا نقوم برحلة خيالية لداخل جلده محاولة منا لفهم حالته. طبعا هذه طريقة غير موضوعية لذلك إذا قام بها عدد من الأشخاص فكل منهم يصل إلى فهم مختلف لنفس الشخص الذي يبكي في عرس. أحدهم يفهم أنه يبكي فرحا وآخر يفهم أن العرس أثار فيه ذكريات فراق وآخر يفهم أن أحدا أساء له في أثناء العرس وهكذا. من هنا يتبين أن ما يقوله شخص ما عن الآخر يدل على القائل أكثر من الآخر. بناء على عملية الإسقاط هذه تم بناء اختبارات نفسية يطلب فيها من الشخص أن يؤلف قصة عن كل صورة من بين الصور التي تـُعرض عليه يقوم بعدها الخبير النفسي بتحليل مضامين القصة للتوصل لمضامين شخصية الشخص.
يتضح مما تقدم أن الحدود بين الأنا والآخر هي حدود نافذة يتداخل ويختلط فيها كلا الطرفين معا.
*مناقشة بعض التشويهات الشائعة في قراءة الآخر
فيما يلي بعض النماذج التي يتخللها الكثير من التعميم والتطرف والتي تجعل أصحابها يعانون:
* زوجي يتربص بي دائما ليكشف نواقصي أمام أهله: طبعا هناك أزواج يتربصون فعلا لزوجاتهم كما تقول هذه الزوجة، لكن في بعض الأحيان يطلق هذا التوصيف على الزوج بشكل تعميمي مبني على أن الزوجة تركزت على عدد محدود من المرات التي انتقدها زوجها أمام أهله وتجاهلت عدة مرات أخرى لم يقم الزوج بانتقادها أو حتى ربما امتدحها أمام الأهل. أحيانا يكون وراء مثل هذه القراءة شعور بالنقص لدى الزوجة تعالجه من خلال اتهامها للآخرين عنوة، وأحيانا تكون هناك عملية إسقاط على الزوج: فالزوجة تنسب لسلوك الزوج نوايا التربص من داخل عالمها هي الذي يعج بالتربص للآخرين وكأن لسان حالها يقول: بما أنني أتربص بغيري وانتقدهم إذًا حين ينتقدني أحد يكون حتما يتربص بي. طبعا هذه حالات خاصة لا يمكنها أن تنفي وجود أزواج قامعين ومتربصين.
*أولادي لا يعيروني اهتماما ولا يلبون لي أي طلب: هذا قول يُسمع من كثيرين من الأهل. في الحقيقة يكاد لا يوجد أولاد "يستطيعون" عدم تلبية جميع طلبات أهلهم. إنها مهمة صعبة لأن كثيرا من طلبات الأهل تلتقي مع حاجات الأولاد. فمثلا حين يدعو الوالدان أولادهما للمائدة، أو حين يطلب الوالد من ابنه أن يناوله الدواء، أو حين تطلب الأم من ابنها الامتناع عن التحدث مع جدته بفظاظة، وغيرها من الطلبات غالبا ما يستجيب الأولاد لها. إلا أن بعض الأهل ينكر هذه الاستجابات ويعممون المرات التي رفض الأولاد طلباتهم على جميع سلوك أولادهم بل وينسبون نوايا خبيثة لهذه التصرفات. فإذا واصل الابن استفزاز أخته لأسباب تتعلق بطبيعة علاقتهما يقوم الأهل بإسقاط خوفهم على مكانتهم على هذا السلوك ويفسرونه على أنه استخفاف بهم مما يجعلهم يردون بغضب لقمع هذا الاستخفاف.
* لا أحد يحبني في هذه الحياة: طبعا في هذا القول أو القراءة للآخرين كثير من التعميم. حين أقوم بفحص صحة هذه القراءة مع من يتوجه لعيادتي يتبين بسهولة أنه غاب عن وعيه فلان وفلان الذين يبدون حبهم بسخاء له إلا أن جل وعيه متركز في أناس محدودين لا يبدون حبهم. في بعض الأحيان يتبين أيضا أن هؤلاء القلة يتصرفون أحيانا بشكل ودي إلا أن تصرفاتهم هذه قد غابت عن وعي الشخص في معمعان انشغاله بتصرفاتهم غير الودية.
في كثير من الأحيان تأتي هذه القراءة المعممة لدى أناس يميلون للكمال ويحملون معتقدات غير واقعية مثل ضرورة أن يحبهم الجميع طوال الوقت. من يحمل مثل هذه المعتقدات سيشعر عاجلا أم آجلا بغياب حب الآخرين ليس بسبب هذا الغياب بل بسبب معتقداته غير الواقعية
* أهلي أنانيون، لا أفهم كيف لا يفهمونني ولا يشعرون معي: طبعا هناك أهل أنانيون لا يفهمون أبناءهم ولا يتعاطفون معهم إلا أن هذه القراءة لا تقتصر فقط على مثل هذه الحالات بل إنها منتشرة كثيرا لدى الكثيرين، خاصة المراهقين منهم. عادة تأتي مثل هذه القراءة من قبل أناس متركزين بأنفسهم ولا يستطيعون فهم أهلهم أو التعاطف معهم، كما هو الحال لدى المراهقين، لذلك فهم يفسرون جل سلوك أهلهم على أنه أنانية.
في حديث مع مراهق توجه لاستشارتي قلت له: "أنت تطلب من أهلك أن يفهموا جيلك بينما أنت غير مستعد أن تفهم جيلهم. إنك تطلب منهم ما لست مستعدًا لإعطائهم إياه". بعد حديث طويل حول هذه الجملة استطاع أن يدرك أنانيته وأيضا يفهم سلوك أهله بشكل جديد منطلق من قراءتهم لدورهم الوالدي وليس من أنانيتهم فحسب.
المقال القادم حول الاختلاط الحاصل في علاقتنا مع الآخرين
يمكن مناقشة المقال مع الكاتب على psy@marwandwairy.com
