لعبة كسر الإرادة

single

اضراب تجاري يعم مدينة الخليل حدادا على ارواح الشهداء امس



الحالة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، هي حالة فريدة من نوعها. فالاحتلال الذي يرزح تحته الشعب الفلسطيني يكاد يكون احتلالا نادرًا. وهو يعتبر آخر احتلال لأرض تعود لشعب شرد معظم سكانه بواسطة تطهير عرقي من قبل فئة استعمارية خاصة، لها قدرات هائلة، ومدعومة من قوى عظمى تحت مسميات مختلفة.
من هنا فان حركة المقاومة الفلسطينية ضد هذا الاحتلال يجب ان تكون متميزة، آخذة بعين الاعتبار عوامل عديدة تحكم هذه الوضعية وهذه الحالة، وهي ملزمة بان تمتلك القدرة على المناورة والتأقلم مع الزمان والمكان ومع إمكانات المحتل المتعددة الجوانب.
الزمان: نحن نتكلم عن زمن انتهت فيه الصراعات المسلحة من اجل التحرر القومي للشعوب المستعمرة والتي كانت تكتسب شرعية دولية، وكانت معترفًا بها من قبل الأمم المتحدة، والتي اعترفت بحقوق الشعوب بالمقاومة من أجل التحرر من سيطرة القوى الاستعمارية.
المكان: نحن نتكلم عن بلد رقعته الجغرافية صغيرة وطبيعته بمعظمها ليست صعبة التضاريس، بمعنى ان أساليب المقاومة المسلحة وحرب الغريلا، التي اتبعها العديد من البلدان كحركة الفيتكونغ في فيتنام والماو ماو في كينيا وجبهة التحرير في الجزائر والثورة الاشتراكية في كوبا، غير ممكنة.
إمكانات المحتل المتعددة الجوانب: نحن نتكلم عن مجموعة بشرية تمتلك ميزات عديدة.
أولا – إمكاناته المالية. لقد ملكت الجاليات اليهودية أموالا طائلة وسيطرت على العديد من الأجهزة العالمية المؤثرة في عصرنا. كالبنوك والإعلام في العديد من العواصم المهمة في العالم.
ثانيًا – تنوع أماكن تواجده قبل القدوم إلى فلسطين كأداة احتلال. أي ان هذا التنوع، رغم الضعف الشكلي لإرساء مجتمع متجانس، إلا ان هذا التنوع أعطى هذا المجتمع قدرة هائلة على تجميع مجموعات بشرية مزودة بثقافات عديدة وتجارب لشعوب عديدة. هذه المجموعات أتت من بلدان متطورة علميًا، مهنيًا وثقافيًا. ثالثًا – معظم القادمين الأوائل جاء بجيل الشباب وانخرط في نظام شبه عسكري، وهو كذلك يمتاز بجميع الألوان ويمتلك القدرة على التكلم بمعظم لغات الأمم الأخرى باللغة الأم.
من هنا نقول: بان هدف المقاومة هو الحصول على الحرية وإقامة دولة مستقلة لها على تراب وطنها. ولقد قامت في فلسطين عبر كل سني الاحتلال أشكال متعددة من إثبات الوجود وانتقالا إلى المقاومة المسلحة بكل حالاتها وكل أشكالها، رغم صعوبة ظروفها، والتي لا مجال لشرحها هنا.
وبما ان الحروب متعددة التسميات، من ساخنة إلى باردة ومن حرب اعتيادية إلى حرب العصابات، لكن يبقى الانتصار في جميعها، مرهونًا بكسر إرادة الطرف الآخر وجعله يرضخ لرغبات الطرف الذي سيسمى منتصرًا، وفي معظم الحالات الحروب توصل إلى تفاوض، بناء على النتائج التي أنتجتها الصراعات على الأرض.
لهذا فان هدف المقاومة الفلسطينية يجب ان يسعى إلى كسر الإرادة عند الاحتلال، وهذا يتم من خلال إنهاك قواه من أماكن نقاط ضعفه. ولأجل هذا على المقاومة اتباع تكتيكات متنوعة لأجل الوصول إلى الهدف الاستراتيجي، وهو قبول الاحتلال بقيام دولة فلسطينية وإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه.
لقد ذكرنا ان العنف والمقاومة المعسكرة أصبحت غير مقبولة في زمن القطب الواحد، وذلك بعد زوال الاتحاد السوفييتي وخروج روسيا ضعيفة اقتصاديًا بشكل خاص، مما منعها من الوقوف، لو أرادت، مع الشعوب الضعيفة.
ونقول أيضا بخصوص عسكرة المقاومة: ليس من الحكمة ملاقاة المحتل في ملعبه واللعب معه هناك وباللعبة المحببة لديه والتي يجيدها. فالقوة هي رأس ماله والقتل هو دستوره الذي تربى عليه منذ دير ياسين إلى الطنطورة إلى كفرقاسم إلى قبية إلى السموع إلى... إلى صبرا وشاتيلا إلى ما لا نهاية. وعدا عن ذلك فهو يمتلك القوة المفرطة من سلاح كونفنتسيونالي إلى سلاح الدمار الشامل، الذي بقدرته تدمير العالم اجمع. ولأجل كل هذا هناك ضرورة إلى تنويع أساليب النضال محاولين انتزاع المبادرة من يد المحتل وجعله ضعيفًا رغم كل القوة التي يمتلكها. يجب حرمانه من الميزة التي تميزه ومن التفوق العسكري الهائل وهذا يتم من خلال إبراز صورته العنيفة وتعريته أمام نفسه وأمام العالم، ومن خلال حرمانه من تأييد ودعم دولي كان يدعمه عندما صور نفسه أمامه بأنه ضعيف ومهدد بالفناء من قبل العرب المتوحشين. ولنتذكر ان شعب جنوب إفريقيا الأصلي ما كان ليحصل على حقه وهزم نظام الابرتهايد من غير التأييد العالمي والحصار الذي فرض على نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا. الدرب هو نضال سلمي يعتمد على مظاهرات واعتصامات وإضرابات. لنتذكر ان غاندي زعيم الهند ومحررها دونما عنف، كان يدعو الناس إلى الصلاة بهدف الإضراب لكن على شكل الخروج إلى الصلوات حتى لا يعطي حجة للمحتل التنكيل بالمضربين، فحرمان الناس من تأدية الصلاة تورط الاحتلال وتضعه أمام معضلة، والإضراب عن الطعام للآلاف في الميادين – لنتذكر معارك الأمعاء الخاوية التي خاضها الأسرى الفلسطينيون والانجازات التي حققوها – وأمام كاميرات التلفزة العالمية مع استقطاب مؤيدين للقضية العادلة للشعب الفلسطيني المسالم، المضطهد والمهدد بالتطهير العرقي من قبل اكبر قوة استعمارية في العالم.
ومن الضروري التأكيد على سيطرة الشعب المقاوم على فعالياته وفعاليات كل الأطراف المشاركة، ولا يجوز ان يكون هناك تفرد لأي فرد بالقيام بأعمال أيا كانت على عاتقه. فمسألة الطعن التي تحدث في هذه الأيام غير مقبولة وقد أصبحت تأتي بنتائج سلبية. لا يجوز لفرد أو أفراد سوق المجتمع بأكمله إلى منطقة تعطي الاحتلال ذريعة للفتك بالمجتمع.
المطلوب: القيام بفعاليات جماعية سلمية مدروسة تنهك المحتل وتحرمه من ممارسة شغفه وحبه للبطش وسفك الدماء وفي ذات الوقت لا تكلف الشعب المناضل تكلفة باهظة. ومن الممكن أيضا في هذا السياق الاعتماد على الجزء العقلاني في صفوف الاحتلال والعمل على إقناع أكبر عدد منهم، بان الاحتلال بشع وان الفلسطينيين لا يبغون تدميرهم، ولا يمكنهم ذلك. وبعد هذا لا يمكن ان نتوقع تغييرًا سريعًا، والأمر يحتاج إلى صبر وصبر وصبر.
يقول مارتن لوثر كينغ: اللاعنف ليس برهانًا على المحبة، إنما برهان على القوة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

قرار مصري متسرّع ومرفوض

featured

مزاعم سلطات اسرائيل الواهية

featured

والعرب، وينهن؟

featured

كلمة بحق راحل: "تعددت الأسباب والموت واحد"

featured

قراءة لانتخابات بلدية الناصرة – (1): الخريف الموجود والربيع المنشود

featured

أساليب امريكية قذرة في أفغانستان

featured

جيش الاحتلال: اللجوء إلى المعجزات التوراتية!