منتظر الزيدي وهو يضرب بوش بالحذاء
حذاء ساندريلا يسقط من أفق الذاكرة، الحذاء الذي شكل في عقلية الأطفال بلورة الحظ وانحناء الأغنياء نحو أقدام الفقراء التي رسمت في نهاية القصة صورة المساواة وغياب التفاوت الطبقي، فالفتاة الجميلة تزوجت الأمير، والسؤال الذي كان يدق خيال طفولتي : لو كانت ساندريلا قبيحة الشكل، هل كانت ستحصل على حب الأمير، ويبحث عنها بهذه الصورة المتلهفة التي جعلته يفتش عنها في كل بيوت المملكة.
أما حذاء أبو قاسم الطنبوري فكان نتيجة لكل شيء تريد التخلص منه، لكن يعود اليك مرة أخرى، لا ينفك يلاحقك، مهما أبديت انزعاجك ورفضك، فالعودة اليك هي قدرك.
أنواع الأحذية والوانها وتصميمها وجلدها وعرضها ليست من اختصاصي واهتمامي، ولكن حين يتحول الحذاء الى واجهة اعلامية، وانزلاق البشر الى داخله، نعلم أن هناك الغاءً تامًا لبؤسهم وشقائهم وتتويجا لمرحلة الحذاء التي ستصبح عنوانًا بارزًا، واشارة الى رائحة العجز والغضب المفترس.
في صورة الغضب المفترس كان حذاء العراقي "منتظر الزيدي" منتظرًا ساعة ويومًا ولحظة ومكان حيث يرقص الاحتلال الامريكي على جثة الشعب العراقي، وقف الرئيس الامريكي بوش الابن منتشيًا، فرحًا لتدمير العراق، وقبل أن يكمل فرحته كان الحذاء يطير تجاهه، في لقطة خلدتها الكاميرا ولن تزول تاريخيًا، وستكون دائمًا على موعد للظهور كلما ضحك الحذاء في الهواء متجهًا الى شخصية سياسية.
وجد منتظر الزيدي ضرب بوش بالحذاء تنفيسًا لغضبه واحتجاجه وسخطه على امريكا التي تجسدت في رئيس أشعل النار في البيت العراقي ومضى، لكن بعد اعتقال منتظر الزيدي وتعذيبه، اعتبرت الشعوب العربية ان هذا الحذاء أعاد اليها كرامتها وقيمتها وسمعتها بعد أن ضاعت باحتلال العراق، عدا عن حالات الترهل والعجز والضعف التي أصابتها، وأصبح حذاء منتظر الزيدي عنوانًا للتحدي وانهالت طلبات الشراء، جميعهم يريدون شراء الحذاء، ومنهم من جعله مهرًا لابنته، سمعنا وقرأنا، حتى ظهرت الحقيقة عند خروج منتظر الزيدي من السجن، الذي فجر قنبلة أن لا أحد توجه اليه لشراء الحذاء.. بالعكس لا أحد يذكره ويذكر ضربة الحذاء سوى اللقطات التصويرية الخالدة، وكانت وسائل الاعلام كاذبة في كل ما نشرته من عبارات عن تلهف الاثرياء وبعض الذين يعشقون صور التحدي لشراء الحذاء.
فتشت في التاريخ عن صور الأحذية التي واجهت سلطة القرار وكانت عنوانًا للرفض والتمرد والانتقام، التي سجلتها الكاميرات، فجاءت صورة خروتشوف الرئيس الروسي وهو يدق بحذائه على طاولة الأمم المتحدة، محذرًا من استمرار العدوان الثلاثي على مصر.
أصبحت أرصد حزن الأحذية التي ترتديها السيقان المحاصرة أو الهاربة أو الخائفة، الأقدام التي وجدت لحمها المتطاير تحت الركام والحجارة والغبار، أحذية أطفال وشباب وشيوخ ونساء، قتلوا نتيجة تفجيرات أو صواريخ أو غرق وهم هاربون من أوطانهم، أحذية علقت بين الموت والحياة، بين الخوف والتفاؤل، تحت ركام بيت في غزة كانت قدم الطفل الذي لم يعرف المشي، لكن والدته أصرت أن يلبس الحذاء الصغير، جزءًا من صورة مرت بسرعة، لكن نامت في ذاكرتي وجعًا لطفولة لم يتسن لها العيش.
حتى برز الرئيس الامريكي السابق بوش ضاحكًا حاملًا حذاء المغني الفيس بريسلي في احتفال اقامته إحدى الجمعيات المعنية بالمزاد العلني، صورة أشعرتني أن هذا الرئيس الذي يعيش فرحه اليومي والليلي، يتمدد على تاريخه دون عقاب، مطلقًا روائح اللامبالاة والاستخفاف والاستهتار، كأن الشعوب التي داس عليها بحذائه الرئاسي هم مجموعات من الصراصير وبيوت من النمل.
وقف بوش على منصة المزاد العلني وحذاء الفيس بريسلي الذي غنى به أغنية "اذا استطعت أحلم" في إحدى الحفلات عام 1968 بيده.. وبدأ المزاد العلني..! وبالطبع الذين تجمعوا في القاعة يأملون بامتلاك حذاء المطرب الملك – لقب بريسلي - الذي يحمله بوش، لعل غدًا يبيعونه بسعر أغلى، أو من الصنف الذي يقتني التحف والاشياء المتعلقة بالمشاهير.
انتهى المزاد وبيع حذاء بريسلي بمبلغ كبير، وتلك الليلة لم يربط الرئيس بوش خيطان حذاء بريسلي بخيطان حذاء منتظر الزيدي العراقي، لأنه نسي ما فعلته يداه.
تأملت وجه بوش الجالس الى جانب زوجته وبعض رجال الاعمال الذين جمعهم حذاء بريسلي، وكان ديناميت السؤال الذي انفجر، لماذا لا نرى في العالم العربي من يهتم بمزادات علنية مغلفة بالمشاعر والاحاسيس التي تروي عطش الكرامة المفقودة؟ لماذا لا تزدهر في خيالنا وجوه الذين منحوا الأوطان قيمة عليا؟ ثم لا نتمسك بالأشياء التي كانوا يمتلكونها؟ يستحيل امتلاك حياة، لكن يمكن امتلاك رائحتها بقاياها وعبق تاريخها، كل شيء نرميه، نوزعه، نهدمه، نمزقه، نحرقه، نقتله؟
لماذا مثلًا لم يفكر أحد الأثرياء الفلسطينيين بشراء أحذية عائلة الدوابشة؟ أو بقايا ملابسهم المحترقة؟ أو شراء قميص أحد الشهداء؟ أو فستان احدى الشهيدات، أو حجر من أحد البيوت التي هدمت؟
لماذا لا تخصص السلطة الفلسطينية المتاحف التي تحكي قصص حياة الشعب، تحكي المعاناة والآلام والفواجع والمآسي، تخليد الصور والكتابات والملابس والأدوات، نسأل هل السفارات الفلسطينية بالخارج تملك سياسة الألبومات المفتوحة، تنشر الصور وتحث على فتح معاناة الفلسطيني أمام الشعوب التي تقيم بها سفاراتها؟ هل تقام في السفارات الفلسطينية المناسبات الوطنية الموثقة بالدراسات والصور التاريخية، أم مناسبات الثرثرة وليالي الموائد المتخمة بالأطعمة والأشربة.
اذا كان حذاء بريسلي قد دفع بوش للفخر والوقوف مهتمًّا بتاريخ مطرب امريكي، فكيف لا نهتم بمن يقدم دمه، روحه، حياته، ابنه، أعصابه، خوفه، اعتقاله، هدم بيته، أرضه، طرده.
