متأسف يا عربوش !

single

لم يكن ما تفوه به وزير الأمن الداخلي أهرنوفيتش في مطلع الأسبوع تصريحاً مبتكراًً جديداًً ولم يضف على ما نسب إلينا، نحن الأقلية الفلسطينية في البلاد،  أي مدلول ومؤشر، سوى انه يُلحِق مطلقهِ، أي الوزير، بتلك القافلة التي سبقته معتبرة إيانا صراصير في زجاجة أحياناًً وسرطاناًً في جسم الدولة أحيانا أخرى، أفاعي وعقارب وطابوراًً خامساًً وما إلى ذلك من مواقف أكدت في كل مرة سمعناها ما نعيشه ونشعر به في حياتنا اليومية أفراداً ومجموعاً.

 

فحينما تضيق لغة العنصري، مسؤولاً كان أو من عامة الناس، ولا يسعفها اللسان إلا بوصف من ترى مقابلها: رث الثياب، أشعث الشعر، قبيح المنظر نتن الرائحة وقذر المنظر، على انه يظهر بمظهر "العربوش"، حينها لا ينفع أسف ولا يكفي تبرير، فزلة اللسان هذه تجسد فكر هذا الوزير وحكومته، لا بل ثقافة عامة سائدة في عقول الأكثرية اليهودية في الدولة.
على الرغم من كونه تصريحاًً عادياً وحتى مألوفاًً، يبقى هذا التصريح تصريحا مستفزاً وخطراًً. علينا أن لا نقبله وأن لا نكتفي بالاحتجاج عليه وفي أحسن الأحوال توظيفه لدى بعض الأحزاب والتيارات السياسية، كجرعة تطعم بها عقائد وعقول أتباعهم لتزداد غرائزهم حدة واستشاطاً، تؤدي إلى تمترسهم في مواقعهم، صارخين أنهم عنصريون وأنهم لا يريدوننا هنا فهم الطامعون بالأرض والحجر أما نحن البشر فإلى ألف هاوية.

أقول هذا واقرأ مثلكم عشرات الدراسات والمقالات عن سوء الحال الذي وصلنا إليه والخطر الحقيقي على استمرار وجودنا على أرضنا وفي وطننا.
أقرأ عن القلق الحقيقي لدى الكثيرين وعن تصورات آخرين يشعرون بهدر الفرص وفوات الأوان، لأن ما تقوم به مؤسساتنا التمثيلية لا يرقى الى مستوى جسامة الحدث وهول المصير.
تصريح هذا الوزير خطير، ليس فقط  لانه يأتي على لسان وزير الأمن الداخلي، القيم والمسؤول، بحكم منصبه، على أمني وأمن أبنائي، عائلتي، قريتي، مجتمعي وجميعنا، بل لأنه يأتي بمثابة بطاقة تعريف وتذكير بطبيعة نظام هذه الدولة وحكومتها الحالية، ففي الماضي كانت تصريحات كهذه تنفلت من أفواه مأفونين عنصريين وكأنهم، هكذا حاولت المؤسسة الاسرائيلية أن تقنعنا، أفرادٌ يعبرون عن مواقفهم الذاتية ويبقون، في النهاية، مجموعة صغيرة من "الأعشاب الضالة" .
واليوم أصبحت هذه التصريحات تأتي جملةً، تردد من على كل منبر، وهذه الحشائش أمست غابة ً يجول فيها مفترس وجارح.
الوضع خطير، لأننا ومنذ عقود أحسنا ممارسة الألم، الم ضحية، وأجدنا الاستغاثة. تميزنا في وصف وتشخيص طبيعة نظام هذه الدولة وما تخططه لنا والمخفي كان دائماً أعظم، استشعرنا أن بقاءنا في وطننا هو التحدي اليومي والأساسي لهذه الدولة لأنه شكل عند قادتها منذ تأسيسها ولغاية اليوم أرقاً أسس لسياسة عنصرية توحي أحياناً وتمارس عادة ً اضطهاداً يهدف إقرافنا حياتنا ودفعنا الى أبواب تمنوا وخططوا أن نخرج منها ليتخلصوا منا.
صمود شعبنا وصمودنا يلامس المعجزة ولكنه يبقى، كما أسلفت، هاجسنا وتحدينا اليومي وهذا يبقينا في حالة مستديمة من عدم الاستقرار والعيش بخوف مبرر.
من جهة أخرى، باعتقادي، أن كل قارئ لطبيعة الأوضاع القائمة في هذه الدولة وما آلت إليه وتحديداً الوضع السياسي لدى الأوساط الحاكمة والمؤثرة والأخطر لدى عامة الشعب، التي ترانا كلنا "عربوشيم" وأعداءً نتمنى أن يقضى على الدولة، تستوجب منا أفراداً وقيادات سياسية وهيئات تمثيلية أن نتدارس بشكل معمق وشامل طبيعة هذا المأزق ومخاطره الحقيقية المستقبلية، غير مكتفين بتوصيفه الصحيح وتبيان طبيعتهم العنصرية والعدوانية.

 

إنني أعي أن هنالك في ذلك المعسكر الاسرائيلي من يصنعون حالة الخوف والتخويف. إني أعرف أن هنالك مؤسسات وجهات تعنى ببناء استراتيجيات وسياسات لتنمية هذه الأنماط الفكرية والمعتقدات بين أوساط الأكثرية اليهودية ولكني مقتنع أيضاً أن هنالك حالة من الخوف الفردي والجماعي لدى الكثيرين منهم، أدت إلى فقدان الثقة بالطرف الآخر، أي نحن عرب هذه البلاد، وأعتقد أننا لا نستطيع أن نغفل هذا الواقع وبالتالي علينا واجب، خدمة لمصلحتنا وبقائنا على أرض الوطن، أن نأخذه في حساباتنا ونحاول نحن أن نجد الآليات وسياسات العمل الملائمة لمجابهته وتحييده.
في البداية هذا يتطلب إقراراً منا، أن خوفهم في جزئيته هو حقيقي، لا بمعنى أن هنالك ما يبرره من طرفنا، بل بمعنى أن حامله مقتنع بأسباب تولده، ومع إدراكنا لصناعة الخوف المدروسة، والممارسة من قبل سياسييهم عبر العقود الماضية، يتوجب علينا أن نقر بأننا لم نعمل ما يكفي، لأنه وكلما أفلحنا بتخفيض منسوب الخوف الفردي والجمعي في المجتمع اليهودي، هكذا نستطيع أن نهدم جزءاً من الدعائم التي تبني عليها العنصرية أعشاشها.
هنالك ما لا يحصى من إمكانيات عمل لم تجرب بعد وهنالك ما لا يحصى من مواقف وأعمال كان الأجدر أن لا تخرج الى حيز النور والفعل، حتى وإن بررت بعين منفذها كحق أو واجب وفقا ً لما يؤمن به، وكل هذا يجب أن يخضع لدراسة مسؤولة وجادة لتقييمه والاستفادة منه كتجارب على غثه وسمينه.
أعرف أن كثيرين سينهالون بالسؤال والتساؤل، ولكنني أعرف أيضاً أن مؤسساتنا الكبرى تعاني من نواقص وأمراض كثيرة تمنعها من الاتفاق على تشخيص الأخطار وفقا ً لسلم أولويات مقبول على جميعهم وإن لم نتفق على طبيعة الداء سيعز تأمين الدواء الشافي.
ستكون هذه المقالة بمثابة مقدمة لما سأتناوله في المستقبل، ذلك لأني أومن أننا سنوفق بحماية مستقبلنا من خلال تعرية حاضرنا وما يحويه من مفاخر وانجازات ولكن كذلك ما يشوبه من آفات وعلات وما يجري الآن في شفاعمرو ما هو إلا غصة في حلوقنا أدميت لتبقى حلوق أهرنوفيتش وأمثاله معافاة تؤكد أننا كنا وما زلنا "عربوشيم".

 

كفرياسيف

قد يهمّكم أيضا..
featured

السلفية المعاصرة

featured

"الإطار" طوق نجاة لنتنياهو!

featured

المنافسة على لقب الضحيّة

featured

مُتْعةٌ أن تكون عربيًا

featured

لمواجهة ترامب باحتقار علنيّ ومنظّم!

featured

تبجّحات براك المخادعة

featured

النقب.. بكامل المبدئية!

featured

ألناصرة الحقيقية التي أحبّ أن أتذكرها دائمًا!