السلفية المعاصرة

single

*الحلقة السابعة والأخيرة من بحث حول "إشكالية الدين والسياسة"، والذي انفردت "الاتحاد" بنشره على حلقات يومية*

 

ما زال الارتباط السري بالعصور القديمة قائما في جميع المجتمعات العربية ـ الإسلامية. عجزت الحركات الوطنية والثورات المناهضة للسيطرة الكولونيالية عن اجتثاث التراكيب الاجتماعية المتخلفة واوكارها. وتتركب على القاعدة الاجتماعية  بنية فوقية من ضروب الثقافة المشتملة على القيم والمعايير والمعارف والخرافات والأساطير وأنظمة الحكم وعمل التنظيمات السياسية والمدنية. الفكر الدارج في مجتمعات المسلمين هو فكر محافظ يدعم واقعا يتميز بالانكفاء والعجز عن رد تطاولات العدوان، والتورط في أزمة سياسية تسفر عن أزمة ثقافية. ولهذا لقيت التيارات السلفية تجاوبا عارما مع طروحاتها. كان من شأن تكثيف الطقوس  الدينية وكذلك الدعوات الملحاحة لـ "العودة للدين" كشرط لانتظام شئون المجتمع على الطريق السوي... أن غيبت واقع الهيمنة الامبريالية وموهت الدور الذي يلعبه نشاط الرأسمالية على الصعيد الدولي، كما تسترت على التحالف بين الهيمنة الامبريالية ونظم الاستبداد السياسي المعاصرة، والتي تواصل استبداد العصر الوسيط. فرضت المحافظة السياسية نظاما تعليميا أعاد إنتاج المحافظة الاجتماعية بواجهة عصرية زائفة.  يمكن القول ان حالة الركود والجمود والحيرة واستيراد العلوم والتقنيات واستفحال الأزمات العامة في المجتمعات العربية إنما هي مخرجات أسلوب التعليم ومناهجه وبرامجه في المدرسة والجامعة، تلك التي أقرها النظام الكولنيالي القمعي وحافظت عليها أنظمة الاستبداد.
يعتبر الدكتور يوسف القرضاوي نموذجا فكريا لدعاة السلفية المعاصرة وهو بالفعل يشغل مكانة متقدمة في صفوفهم. يقوم فكره على مناهضة العلمانية وتكفيرها، والشيوعية حاملة المادية الديالكتيكية بوجه خاص. يقول في هذا الشأن: "بل إن العلماني الذي يرفض "مبدأ" تحكيم الشريعة من الأساس، ليس له من الإسلام إلا اسمه، وهو مرتد عن الإسلام بيقين، يجب أن يستتاب، وتزاح عنه الشبهة، وتقام عليه الحجة، وإلا حكم القضاء عليه بالردة، وجرد من انتمائه إلى الإسلام، أو سحبت منه "الجنسية الإسلامية" وفرق بينه وبين زوجه وولده، وجرت عليه أحكام المرتدين المارقين، في الحياة وبعد الوفاة".
لا مجال للاتفاق بين العلمانية وما يطرحه القرضاوي من تأويل للدين انطلى على الجماهير التي لم تدخل مدرسة السياسة، وتجهل حقيقة التاريخ العربي ـ الإسلامي، وتجهل قيمة العلم في الحياة. وأنى يكون للعلمانية مقام في الفكر السياسي عندما تزدحم الجامعات بالسلفيين من أساتذة وطلبة، العاجزين عن التفكير المنطقي، ناهيك عن الإبداع في ميدان العلوم؛ بينما السلفيون يفرضون فكرهم بصولة الإرهاب التكفيري؟!
تقرن طروحات القرضاوي علمانية الغرب بنصرانيته عبر العصر الوسيط. وهذا تفسير مغالط؛ ذلك أن  شواهد التاريخ تؤكد أن الكنيسة حكمت طوال قرون بمرجعية تستند إلى كتب العهد القديم والجديد، وهيمنت بهما على حياة الناس في جميع تفاصيلها، مخالفة فيما نهجت به قول المسيح  "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله". وتوجب على المسيحيين معاناة محاكم التفتيش والحرمانات البابوية ومحاكمات العلماء ممن قالوا بكروية الأرض ونادوا بحكم العقل، قبل أن ينجزوا تحرير العقل من الخرافة ويحققوا ثورات في العلم والإنتاج المادي والفكري.

 

 

*التكفير ناجم عن قصور في الفهم*

 

القرضاوي ليس متبحرا في علوم عصره، وفق شروط الفتوى؛ بل هو يناهض معطيات العلم والتجربة الإنسانية؛ يكفر محاوره لأنه قال "ان كل ما هو إلهي، ينقلب بشريا صرفا"، ولعل التكفير ناجم عن قصور في فهم العبارة. رجال الدين الشيعة أو المسيحيون يحوزون على شهادات علمية رفيعة في الفلسفة والعلوم الإنسانية، والطبيعية، ويقدرون لذلك مخالفيهم، أو يتسامحون معهم على أقل تقدير.  والقرضاوي متبحر في علوم الأحاديث و الفقه، ويجهل أوليات التاريخ العربي ـ الإسلامي، وربما هو يتجاهل كي يعزز بنيته الفكرية. فرغم أن القرآن واحد والنبي واحد إلا ان الاختلاف بل التناحر بين المسلمين بسبب هذا الاختلاف لم يتوقف أبدا. وكان بدأ في حياة مؤسس هذا الدين. كذلك اختلف المسلمون واختلفوا واختلفوا، حتى بات الجميع على يقين أن لا وجود لفقه للحكم جامع؛ وحينئذ برزت الفتاوى بتكفير المجتهدين والفقهاء المخالفين. تواصل الخلاف والقتل المتبادل حتى لقد قال الإمام علي بن أبي طالب، الأقرب إلى الرسول، والأكثر فطنة واستقامة وتقوى بين المختلفين "لا تجادلهم بالقرآن.. القرآن حمّال أوجه.. القرآن كتاب مسطور بين دفتين لا ينطق وإنما ينطق به الرجال". هل تختلف عبارة الإمام علي عن قول الدكتور لويس عوض؟
فقد شن القرضاوي هجومه ضد الدكتور لويس عوض بدعوى أنه "الوحيد الذي اشترك ممثلا للجانب العلماني في الندوة التاريخية في دار الحكمة، ولأنه أكثر العلمانيين إبانة في فكرته، وأقدرهم على إيراد الشبهات، وسوقها في صورة البراهين، وأجرؤهم على مناقشة القضايا من جذورها، وإن كانت مجافية لأوضح المسلَّمات الدينية". ولهذا ألف كتابه للرد عليه. في هذا المقام، ونظرا لرحيل الدكتور عوض تكفَّل مفكر علماني بالرد عليه: "يزعم الرجل أن الدكتور لويس عوض يحمل سيفا من الإرهاب، الأمر الذي يفرض السؤال:  أيُّ الرجلين كان ومازال يحمل سيفا لإرهاب المختلفين معه؟ أهو القرضاوي صاحب فتاوى التكفير، الذي بارك اغتيال المفكر فرج فودة ودافع عن صديقه الغزالي الذي أفتى بجواز قتله، أم هو فؤاد زكريا الذي كان سلاحه الوحيد قلمه وبنات أفكاره التي تدعو إلى إقامة مجتمعات عصرية تسودها المواطنة التامة والمساواة الحقة بين المواطنين مهما تباينت معتقداتهم وأعراقهم ومذاهبهم الدينية والسياسية؟".
في كتاب الدكتور يوسف القرضاوي "الإسلام والعلمانية وجها لوجه"، يجزم أنه "لا يتصور للعلمانية أن تنجح في بلد إسلامي، لأنها مناقضة لطبيعة الإسلام، الذي تدين به الشعوب المسلمة، ومناقضة لمفاهيمه وسلوكه وتاريخه، ولا يوجد أي مبرر لقيامها، كما وجد ذلك في الغرب النصراني"، ويزعم أن هناك "معلوما من الدين" متفقا عليه، إلى أن يقول:  أما نحن، فموقعنا ـ بحمد الله ـ محدد من جهاته الأربع، وهويتنا واضحة بينة كالشمس في رابعة النهار". كان الرسول يدعو المسلمين للأخذ بما يأمره من الدين لأنه من عند ربه؛ وأما من عنده فهو كائن بشري ليس منزها عن الخطأ. هذا بينما يتوعد القرضاوي في عصر الثورة العلمية، وحيث تشكل التقنيات مصدر قوة الدول وعامل سطوتها ضد الدول الأضعف، فإن القرضاوي يتوعد من لا يرى رؤيته   بالويل والثبور. وفي الحقيقة فعندما ندخل عالم الاقتصاد والسياسة والإدارة والعلوم الحديثة المختلفة، فلن نجد في الإسلام ولا في تاريخه ما رآه القرضاوي نظاما كاملا للحياة. لا وجود لنظام واضح المعالم في السياسة الإسلامية لإدارة حياة الناس.
يدعي القرضاوي والسلفيون بجانبه أن عند المسلمين "معلوما من الدين"يشكل المعيار الكفيل بتسوية النزاعات. فإذا كان الأمر كذلك فكيف يفسرون  أن شعوب هذه البقعة من الأرض عاشت قرونا طويلة من الحيرة والارتباك في ظروف الانحطاط والتشرذم والتناحر والفساد السياسي والاجتماعي، إلى أن أوردها التخلف مورد التبعية للسيطرة الكولونيالية الزاحفة؟ أين كان آنذاك ذلك المعيار السحري في ظل حكم الخلفاء والسلاطين المحاطين بالفقهاء ورجال الإفتاء؟ وكيف تهيأت الظروف لتوطد دعائم الانسداد الحضاري؟ فقهاء الظلام، ممن يأتم بهم القرضاوي، لم يفعلوا طوال تاريخهم المليء بالقلاقل والفتن سوى الدعوة للعودة إلى أصول الدين  بحثا عن الحق والحقيقة فيه وعن الحل لخلافاتهم ومشاكلهم المستعصية كأنها ألغاز؛ كل فريق يجد ما يؤيد دعاواه مهما اختلفت مع دعاوى غيره. هذه هي حكاية التاريخ العربي ـ الإسلامي عبر أكثر من اثني عشر قرنا.

 

 

*عدو العقل والتفكّر*

 


من المسلَّم به أن العلمانية مناقضة لطبيعة ما يتمسك به  القرضاوي من تأويل للإسلام. والقرضاوي يخالف ما ورد على لسان الرسول " أنتم أعرف بأمور دنياكم". كان يستشير الصحابة، وهو يتلقى الوحي وينزل عند الرأي المخالف.  ولدى مراجعة أقوال بعض السلف من فقهاء العصر الوسيط،  نجد الإمام أحمد بن حنبل داعية للاستحسان العقلي، ولم يكفر أحدًا ممن جايلوه؛ فهل يكفره القرضاوي؟ ألا نجد فقيها آخر هو العز بن عبد السلام يفتقد العدالة الاجتماعية في الإسلام؟ ألا نجد الشاطبي في كتابه "الموافقات" داعية لإقامة الاجتهاد على مبدأ المقاصد الكلية في الشريعة، أي مصلحة المسلمين؟ وكيف يقيّم القرضاوي علمانية الفقيه الذي قال أينما تجد مصلحة للمسلمين يكون شرع الله؟ الإسلام بطبيعته دين علماني يدعو للعقل والتفكر، يحث على الموعظة الحسنة وليس على التكفير بما ينطوي عليه من قطع الرؤوس وتخريب الأسر، بسبب استخدام العقل إماما لا مأموما، يبحث ويتبصر فيما  ينفع الناس. ولا يصمد "المعلوم من الدين المتفق عليه" أمام واقع تعدد حركات التيار الإسلامي المعاصر عبر العصر الوسيط، وفي الزمن الراهن. كما لا تستقيم مقارنة الإسلام المتزمت  مع إسلام التفتح على الحضارات السابقة، إسلام الجسارة في الأخذ عن الآخرين والحرية في الاجتهاد بغير تكفير أو عزل. ولا يصدق هذا الكلام أمام محك النقد. القرضاوي وأشياعه اختطفوا العقل المسلم وقيدوه بفتاويهم، وطاردوه في حصنه، الذي لم يكن منيعا أبدا، اي  الصروح الأكاديمية العربية.
 تجسدت جناية القرضاوي وأشياعه على العقل العربي فيما نقله  الكاتب رجب البنا في صحيفة "الأهرام" عن البروفيسور الباكستاني برويز  بيود قوله  "... وبينما الجامعات في الدول المتقدمة تسعى الى جذب الأساتذة من أكثر العقول إبداعا من أية جنسية أو ديانة،‏ فإن الجامعات في العالم الإسلامي تغرس في طلابها وأساتذتها  الخنوع الثقافي وقليل منهم من ينجو ويحتفظ لنفسه بالقدرة على التفكير المستقل أو التحليل أو الإبداع‏.‏ ولذلك لا تجد في معظم العالم الإسلامي من يفكر في تقديم جديد بالمعايير العالمية في الهندسة الوراثية أو الروبوت أو أنظمة الذكاء الاصطناعي‏،‏ أو الالتحام النووي أو اكتشاف الفضاء،  أو إنتاج المواد الجديدة"‏.
‏يشير البروفيسور برويز بيود باستهجان الي مؤتمر عقد في دولة إسلامية وحضره رئيس الدولة ومئات العلماء ورجال الدين من مختلف الدول الإسلامية،‏ كان موضوعه "المعجزات العلمية". ‏ كان مثار تعجب من علماء الغرب لأنهم لا يؤمنون بوجود معجزات في العلم ويؤمنون بوجود قوانين علمية. ‏ وانتهى المؤتمر الى الزعم بأن جميع الحقائق العلمية والنظريات الحديثة عن الظواهر الفيزيائية موجودة في الكتاب والسنة‏!‏
 إن مناقشة القرضاوي من منطلق الدين وليس العلمانية يكشف طبيعة القرضاوي السلفية وليس الأصولية. القرضاوي ينقض أصول الدين ويعارض نصوصه المقدسة. يناقض القرضاوي بفتواه الظالمة المتجنية صريح القرآن الكريم وآياته البينات. إذ كيف تتطابق فتواه مع مضمون الآية الكريمة " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا" ‏[‏النساء‏94]؟ ألا ينطبق عليه الحديث الشريف: "سباب المسلم فسوق‏،‏ وقتاله كفر‏،‏ وتكفير المسلم من الكبائر" أو قول الرسول المكمل لمكارم الأخلاق ‏:‏ ليس المؤمن بالطعان أو اللعان ولا الفاحش البذيء‏.‏ وهل أشد بذاءة ممن يهدر دم مؤمن اختلف معه في الاجتهاد؟!
 أين فتوى القرضاوي من صريح القرآن الكريم "لكم دينكم ولي دين"، أو من نص الآية "لا إكراه في الدين"؟ فتوى القرضاوي تنطلق من مفهوم للدين لا يترك حيزا للعقل، ومنطويا على حلول لكل مسائل الحياة والكون. القرضاوي يتناول من فقه السلف أحكاما جاهزة لكل زمان ومكان، ألا يتوجب عليه حينئذ، لو كان رائده التقوى، الالتزام بالآية الكريمة:" (وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.  الحج 68 )؟ ألا يغتصب القرضاوي ومن والاه حقا من حقوق الله يمارسه يوم القيامة؟ لكن القرضاوي بفتواه يأتم فقه الحنابلة المتأخرين، أمثال ابن تيمية، وليس القرآن والرسول الأعظم.

 

(انتهى)

قد يهمّكم أيضا..
featured

مسرحية اللقاء الثلاثي - مأتم جنائزي للسلام العادل!

featured

ألاتحاد - إنها زائرتي منذ عقود خمسة..

featured

لتكن المباراة عرسًا كرويًا

featured

"الحِذاء التاريخي"

featured

نحن العنوان الواضح والصادق

featured

ماذا يخبّئون بذريعة الحجر؟!

featured

أوروبا لم تتخلّص بعد من التبعية السياسية !

featured

بقاء العرب اليوم، صراع وجودي؟