مظاهرة في حي عين ابراهيم الفحماوي (أرشيف)
يعاني الحكم المحلي في البلاد من أزمة شديدة عميقة. ناتجة بالأساس عن سياسة السلطة المركزية، التي تقلص باستمرار المساعدات المالية المقدمة للسلطات المحلية. وهذا في حين يزداد الصرف على الاحتلال والاستيطان، وتزداد المنح المقدمة لكبار الرأسماليين وللشركات والاحتكارات الأجنبية.
السلطات المحلية العربية تعاني بشكل مزدوج، تعاني من السياسة الاجتماعية العامة. وتعاني أيضا من كونها سلطات محلية عربية، أي تعاني من التمييز العنصري. ولا يُستثنى من ذلك، السلطات المحلية العربية المحسوبة على السلطة ولا حتى أولئك الذين يدفعون ضريبة الدم ويخدمون في حرس الحدود والشرطة والجيش.
هذه الحقائق السياسية الدامغة ليست مبرّرًا لهذه السلطة المحلية العربية أو تلك، في تدني الخدمات التي تقدمها، أو في تفشي المحسوبية والفساد الإداري، وعدم الشفافية والقطيعة الضاربة أطنابها بين رئيس البلدية وإدارته والأهالي.
يجب التأكيد انه بالرغم من سياسة السلطة تجاه السلطات المحلية العربية، من الخطأ أخذها رزمة واحدة. لكل مدينة أو قرية، ظروفها وخصوصياتها. هنالك إدارات عصرية متنورة، هنالك رؤساء أكْفاء، والاهم ان هنالك رؤساء لا يؤمنون بسياسة الاستجداء من اجل نيل الحقوق، ويؤمنون بتجنيد الجماهير في المعركة من اجل نيل هذه الحقوق. وهنالك رؤساء يؤمنون ويتصرفون عكس ذلك. وبشكل عام السلطة المركزية لا تحسب لهم أي حساب، لأنهم في الجيبة كما يقول مثلنا الشعبي.
*بلد عماليّ*
مدينة أم الفحم، ثاني أو ثالث مدينة عربية بعد ناصرة الصمود قلب الجماهير العربية، وربما بعد مدينة رهط حارسة النقب، من حيث تعداد السكان. الحقيقة التي يعرفها الجميع، أن ام الفحم، مدينة من حيث عدد السكان، إلا أنها ليست مدينة من حيث البنية التحتية الأساسية.
أم الفحم التي تحولت قسرًا من بلد فلاحي زراعي عشية النكبة، إلى بلد عمالي منكوب، يعتمد أهله على العمل المأجور، في المدن والتجمعات السكنية اليهودية من رأس الناقورة شمالا حتى أم رشرش جنوبًا (ايلات)، مرورًا بمركز البلاد – تل أبيب وأخواتها.
لذلك ليس صدفة، ان البعض، وبحق يعرّفونها، بأنها فندق كبير لأهلها. ينامون ليلهم فيها، وقبل بزوغ الفجر، الأكثرية الساحقة من قواها العاملة يتوجهون لأعمالهم خارج مدينتهم الحبيبة. صحيح ان القانون، ينص على ان يوم العمل حتى ثماني ساعات، إلا ان يوم العامل الكادح، الموظف الذي يعمل خارج مدينته، يراوح بين احدى عشرة واثنتي عشرة ساعة على الأقل. إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ساعات السفر المضنية ذهابًا وإيابًا.
هنالك حقيقة لا يختلف عليها أي فحماوي، وهي حبهم لبلدهم رغم كل المصاعب. لذلك ليس صدفة ان البعض رفع شعار، لنجعل من مدينة أم الفحم، مدينة يطيب العيش فيها، أي مدينة متطورة فيها الحد الأدنى من الخدمات، شوارع واسعة، حدائق عامة، نظافة، مستوى تعليم جيد، رياضة متقدمة، مسارح مختلطة للجنسين الخ...
أم الفحم بلد الصراع الفكري الاجتماعي والسياسي، هنالك الفكر الطبقي الثوري الوطني المتجذر والذي مثله ويمثله الحزب الشيوعي - والجبهة أيضا. هنالك الفكر القومي الوطني الذي يمثله تنظيم الأرض ومن ثم أبناء البلد، والذين انشقوا عنهم. هنالك التيار الديني - الحركة الإسلامية بشقيها الشمالي والجنوبي. وهنالك أشخاص وشخصيات فحماوية مستقلة.
أمام هذا الواقع تراجعت البنية العائلية السياسية – لذلك قد تجد في البيت الفحماوي الواحد أو العائلة، الحمولة، أكثر من رأي سياسي، أو نشيطا لهذا الحزب أو ذاك.
وبشكل عام أصبحت العائلة أو الحمولة الواحدة عاجزة عن إيصال ممثل لها لعضوية البلدية وطبعًا من المستحيل ان تحظى برئاسة إلا من خلال الأطر السياسية، أو الأطر السياسية الدينية.
منذ اثنين وعشرين عامًا تتربع الحركة الإسلامية الشمالية، جناح رائد صلاح على سدة البلدية. رئاسة وعضوية، وهي ليست بحاجة لإقامة تحالفات أو ائتلاف مع الكتل الأخرى، لأن لديها أكثرية مطلقة في عضوية المجلس البلدي.
لا أريد في هذه العجالة ان الخص هذه الفترة الطويلة من سيطرة الحركة الإسلامية على بلدية أم الفحم، لكن بشكل عام، كانت لها نجاحات في بداية عهدها، لأنها جاءت للسلطة المحلية في الوقت الذي كانت البلدية تعاني فيه من أزمة خانقة، بسبب سياسة القطارة الحكومية، وبسبب سوء الإدارة، والعمل الانفرادي من رئيس البلدية آنذاك.
إلا ان فترة الحركة الإسلامية منذ تسلمها السلطة حتى اليوم على ارض الواقع، عكس تعهدات زعمائها المكتوبة والشفوية، حلفوا يمينا جماعيا أمام الجماهير، ان يضعوا الرجل الملائم في المكان الملائم، والتعامل بمكيال واحد مع أهالي أم الفحم، بعيدًا عن المحسوبية والفساد الخ...
الرأي العام السائد في أم الفحم، بما في ذلك أفراد صوتوا للحركة وأفراد أعضاء في الحركة الإسلامية أن تصرفات الحركة الإسلامية عكس ذلك تماما.
بشكل عام ما نفذته إدارتهم كان مبرمجًا ومخططًا في الإدارات السابقة، رغم ضعفها ومشاكلها، لأن رئيس البلدية لم تكن لديه أكثرية، وكان مضطرًا بسبب ذلك لمراعاة الأعضاء المنتخَبين من عائلاتهم أو أحزابهم.
أهالي أم الفحم يعون أية إدارة ورئيس حصّلا الـ 2005 دونمات، والتي تنعم بها أم الفحم حتى اليوم...
أهالي أم الفحم يعون زمن أية إدارة ورئيس، خطط ونفذ بشكل كبير مشروع المجاري، الذي غيّر وضع أم الفحم...
إعتقد البعض ان الحركة الإسلامية، وبالذات الشق الشمالي سوف يجندون الأهالي في معركة سياسية جماهيرية، من اجل نيل الحقوق وتطوير أم الفحم.
لكن سرعان ما تبددت هذه الأوهام. واتبعت إداراتهم البلدية حتى يومنا هذا، المداهنة والتملق للسلطة الظالمة، لوزارة الداخلية، لايلان سديه رئيس المجلس الإقليمي منشي، الذي يسيطر على قسم من أراضي أم الفحم.
*زيارة الوزير!*
أهالي أم الفحم يذكرون زيارة وزير التجارة والصناعة آنذاك ايهود اولمرت لمدينتهم، حيث أقيمت على "شرفه" موائد النفاق الدسمة، أعلن رئيس البلدية آنذاك، هاشم عبد الرحمن والوزير الموقر عن القرار بإقامة منطقة صناعية في منطقة سويسه.
الاعتقاد السائد لدى أهالي أم الفحم، ان الوزير ورئيس البلدية، كانا يعرفان انه لا تغطية لهذا الإعلان الطنان الرنان. وها هي سبع سنوات تمر، ولا يوجد أي تخطيط لإقامة هذا المشروع الحيوي الذي يعتبر عنصرًا هامًا لوجود أية مدينة، ومصدرًا لمدخولات المدينة.
أم الفحم تعاني من أزمة مواصلات شديدة جدًا. للمدينة مدخل رئيسي، ومدخل ثانوي يربطها بالشارع الرئيسي شارع وادي عارة (وليس عيرون) أو رقم 65. إذا أردت الوصول إلى أم الفحم من مدخل مدينة هرتسليا التي تبعد عن أم الفحم 65 كم، فأنت بحاجة إلى 50 دقيقة بشكل عام.
وإذا أردت ان تصل من الشارع الرئيسي وادي عارة، مفرق عين إبراهيم، في ساعات ما بعد الظهر موعد عودة العمال إلى فندقهم الكبير، إلى وسط المدينة، فأنت بحاجة إلى أكثر من ثلاثة أرباع الساعة.
قبل عدة سنوات بدأت البلدية بتنفيذ شق شارع قد يربط قسمًا كبيرًا من أحياء أم الفحم بالشارع العام. وها هي السنوات تمر، والعمل في هذا الشارع معطل.
مدينة الناصرة، أقدم بكثير من مدينة أم الفحم، وهي مدينة سياحية، رغم ضيق السوق القديمة وبفضل إدارتها الجبهوية التي طورت السوق والأحياء القديمة لتصبح جذابة للسياح ولتدر مدخولا هامًا على الأهالي والبلدية.
موقع أم الفحم خلاب، جبلي، فهي تطل على البحر الأبيض المتوسط، وعلى جبال الروحة وعلى القسم السليب منها وعلى الكرمل الأشم، وعلى مرج ابن عامر، وعلى لواء جنين واصلا أم الفحم كانت تابعة للواء جنين، وبالمناسبة أيام حرب أكتوبر 1973، كان الأهالي في الليالي يشاهدون المعارك على جبل الشيخ المحتل، من سطح جبل اسكندر والست خيزران.
أم الفحم محاطة بعيون مياه، عين الوسطى، عين المغارة، عين الشرائع، عين جرار، عين المعلقة، عين خالد، عين الزيتون، عين إبراهيم، عين منطقة البير، عين العيون، عين الشعرة، عين النبي وغيرها، فهل يعقل ان السياحة ما زالت غير قائمة في مدينة أم الفحم، المكان الوحيد تقريبًا الذي يؤمه الزوار بالذات والذين يهتمون بالفنون، هو قاعة الفنون.
عندما انتخب رئيس البلدية الجديد، خالد حمدان، كتبت مقالا في جريدة "الاتحاد"، تمنيت له ان يبدأ عمله، بالرجل اليمنى، تيمّنًا كما يقولون، اقترحت عليه القيام بخطوة كبيرة، لا تحتاج لميزانية. اقترحت عليه إزالة الهوائيات من على أسطح البلدية ومن مؤسساتها وممتلكاتها، لكن لا حياة لمن تنادي بالرغم من ان الأهالي يربطون بين الانتشار الواسع لمرض السرطان وهذه الهوائيات.
أنا أومن بالدمقراطية وبتداول السلطة عن طريق الانتخابات، وارى برئيس البلدية المنتخب أيا كان رئيس أم الفحم كلها.
*مناشدة للرئيس*
يا سيادة الرئيس، هنالك اعتقاد قوي بين أهالي أم الفحم، ان هناك شبهة بوجود صفقة دنسة بين إدارة بلدية أم الفحم، وربما أوسع، مع شركات الهواتف الخليوية والتي بموجبها نصبت وما زالت الهوائيات فوق أسطح بناية البلدية وفي ممتلكاتها.
الذين سبقوك يا رئيس البلدية، هددوا بأن البلدية ستخسر مئات الملايين من الشواقل إذا ما اُزيلت هذه الهوائيات المخيفة.
ثم لحسوا تهديداتهم وتعهدوا بإزالتها منذ أكثر من 3-4 سنوات.
أرجوك تحلَّ بالجرأة وانشر على الملأ هذه الاتفاقية، ودع المواطن الفحماوي يحكم عليها. أين الشفافية التي تحدثتم عنها يا سيادة الرئيس...
أتحدّى رئيس البلدية وإدارته والحركة الإسلامية الفحماوية دحض ما في هذه السطور القليلة وأتحداهم إصدار بيان للأهالي بعيدا عن التجريح، بعيدا عن التعميم، وقول الحقيقة. فالحقيقة ساطعة كالشمس. الشمس أقوى منظف، الشمس أقوى مطهر، والشمس لا يمكن بأي حال من الأحوال، تغطيتها بعباءة.
من المعروف للجميع ان الله العلي القدير، لا يسمع من ساكت، ما بالكم برئيس بلدية أو إدارة بلدية، أو حزب حاكم، أو أناس، أو فئة مستفيدة أو لها مصلحة باستمرار هذا الوضع على ما هو عليه...
لا يكفي الاطلاع على الواقع الصعب لأم الفحم وأهلها. من الضروري عمل الحد الأدنى المبرمج والمدروس لتغيير هذا الواقع المرير.
الأمر يتطلب وحدة فحماوية لكل الشرفاء، بغض النظر عن الاعتقاد الفكري، أو السياسي أو الحزبي، حول برنامج متفق عليه، لإنقاذ مدينتنا الحبيبة من أزمتها البلدية العامة. حتى تصبح فعلا، مدينة يطيب العيش فيها.
(أم الفحم)
