عن زعماء النظام العربي: ما بين الكلمة والقصد

single

*النمط الارتجالي والذي تغيب فيه العلاقة بين الكلمة وبين القصد الحقيقي، يجعل جميع الخطابات نوعًا من النشاط الكلامي والإعلامي الذي لا ينبئ بشيء عن الخطة التي سينتهجها هؤلاء الرؤساء. إنه نوع من الكذب المتفق عليه والذي هو أخطر من الكذب الممنوع*

 

بعد تحضير جدول أعمال مؤتمر القمة ال 22 في اجتماع  وزراء الخارجية العرب، عُقدت جلسة افتتاح القمة. وقد طلب في نهايتها الرئيس اليمني علي عبدالله صالح تقديم اقتراح للبحث في الجلسة المغلقة للرؤساء التي تلي جلسة الافتتاح مباشرة. استجاب رئيس المؤتمر الرئيس الليبي معمر القذافي لطلب الرئيس اليمني على أن يقدم اقتراحه خلال ثلاث دقائق..
بدأ الرئيس اليمني حديثه أولا "بطمأنة" إخوانه العرب على أن اليمن بخير وبأن وسائل الإعلام تضخم أخبار الاشتباكات هناك. بعد الاستفاضة في رسالة الطمأنة قدم اقتراحه للمؤتمر خلال دقائق معدودة. وما هو الاقتراح؟ ليس أكثر ولا أقل من الدعوة لإقامة إتحاد للدول العربية لمواجهة أعداء الأمة!
أثناء تقديم الاقتراح سُمع تصفيق من الرؤساء والملوك وسائر الحضور وبعد الانتهاء من تقديم الاقتراح ارتفعت هتافات مؤيدة له من بعض الحضور، ولم تتوقف إلا بعد أن قطعها كلام رئيس المؤتمر القذافي معلقا على الاقتراح، بما معناه أن مؤتمر القمة قد وافق على اقتراح إقامة اتحاد عربي بواسطة التصفيق حتى قبل مناقشته.
إقامة اتحاد عربي يُطرح بشكل ارتجالي في آخر 3 دقائق من جلسة الافتتاح ويوافَق عليه بالتصفيق والهتاف دون مناقشته. وكل هذا بعد تاريخ الإخفاقات المتكررة لمحاولات الوحدة العربية منذ أيام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر!
في البيان الختامي لمؤتمر القمة تقرر ما هو أكثر من اقتراح اتحاد الدول العربية.. تقرر العمل على إقامة "رابطة إقليمية للجوار العربي" تضم الدول العربية ودولا آسيوية مثل تركيا وإيران، ودولا أوروبية مثل إسبانيا والبرتغال وفرنسا واليونان وقبرص ومالطا، ودولا أفريقية تضم كل من مالى وغينيا والنيجر وتشاد واثيوبيا واريتريا وكينيا واوغندا. كيف تحول اقتراح إرتجالي لإقامة إتحاد عربي إلى قرار بإقامة رابطة إقليمية للجوار العربي؟ وما هو مدى جدية هذه الاقتراحات علما بأن عملية إقامة الاتحاد الأوروبي استغرقت سنوات طوال؟
لو أن المؤتمر استمر يوما إضافيا لربما تقرر ضم الولايات المتحدة والصين وروسيا أيضا لرابطة الجوار العربي!
ما استوقفني في هذا المشهد ليس الجانب السياسي والقومي لاقتراح الاتحاد العربي، مع كل أهميته، بل نمط التعامل غير المسؤول من قبل مسؤولي الأمة مع قضية مصيرية كقضية الوحدة العربية. هذا النمط الارتجالي والذي تغيب فيه العلاقة بين الكلمة وبين القصد الحقيقي، يجعل جميع الخطابات نوعًا من النشاط الكلامي والإعلامي الذي لا ينبئ بشيء عن الخطة التي سينتهجها هؤلاء الرؤساء. إنه نوع من الكذب المتفق عليه والذي هو أخطر من الكذب الممنوع.
إن مشهدًا كهذا لا يمكنه أن يحدث إلا في المجتمعات الشرقية حيث هناك عدة صياغات لقول "لا" دون استعمال كلمة "لا". هناك طرق مثل "إن شاء الله" أو "سنرى" أو حتى "نعم" ويكون قائلها قد عوّل مسبقا على حجة لتبرير نقضه لموافقته. أما أن يصل الأمر ليعني تصفيق الرؤساء رفضا وأن يلخص رئيس المؤتمر موقف الرؤساء بالإيجاب مع علمه بأنهم يرفضون اقتراح الوحدة، فهذا أمر جديد يدل على حضيض مكانة الكلمة والتصريحات والقرارات في هذه القمم.
الأمر الخطير لا يتوقف عند تدني مكانة الكلمة لأن الكلمة هي مرآه الفكر والعقلية والثقافة. فالتصريح الارتجالي والتصفيق الكاذب والقرارات الكاذبة هي جزء من الثقافة السائدة في مجتمعاتنا العربية ليس فقط بين الناس بل بين المسؤولين. مع ثقافة نفاق كهذه لا حاجة إلى وحدة، وحدة منافقين، بل ربما يفضل الفصل بين المنافقين ومنع أي تواصل بينهم، بل يفضل الصمت. في هذا الواقع يكون الصمت أصدق تعبير عن هذا العجز العربي.

قد يهمّكم أيضا..
featured

تفاهمات أبعد ما يكون عن التفاهم والتّفهم!

featured

فساد الحكم والنيابة

featured

صفقات ام صفاقات؟

featured

مبروك لسخنين !

featured

اليمن: حرب قذرة من أجل أموال الخليج

featured

ألعجز سُم قاتل!!!