إحذر! منزلق خطر

single

طيلة عام وأكثر، كتبتُ عن التحولات الخطيرة الحاصلة في المجتمع الإسرائيلي، وعن ذلك المنزلق الخطير الذي تتسارع على إحداثياته ظواهر العنصرية والتضييق على الجماهير العربية في إسرائيل.

هنالك انهيار صارخ في منظومة القيم الإنسانية وركائز المجتمع الديمقراطي. القضية أن مؤسسات الدولة جميعها مُسَّت بهذه اللوثة، فلن تجد جهازاً إلا وظهرت عليه وفيه علامات هذا التقهقر والعطب، والخطورة تكمن عندما يتضح لنا أن تلك الأجهزة، التي يقع في صلب مهامها ومسؤولياتها حماية المواطن والدفاع عن سلامته وحقوقه، هي ليست أكثر من حلقة في سلسلة أدوات القمع والملاحقة لهذا المواطن ورفاقه.

لا حاجة للاجتهاد ووضع قائمة سوداء بهذه المؤسسات وما تفرزه يومياً، فالسلطة التشريعية تفوقت على نفسها وأسهلت بإفرازات مسمومة تنتقص من مكانتنا الجماعية في هذه البلاد وتضيق الخناق علينا بقوانين لم تعرفها إلا أنظمة الهلاك والظلام في تاريخ الشعوب. أما السلطة التنفيذية فتتقدم ويتنافس وزراؤها بتسجيل نقاط السبق والظفر ضمن ما يبرمجونه من مخططات لا تستهدف إلا إقصاءنا ولا تعكس إلا ما يؤمنون به حقاً وهو أننا غرباء في الأرض وأعداءٌ للدولة. أما السلطة القضائية، التي كان من واجبها أن تمارس دورها كحامية للحقوق والحريات، وكدرع يقي تلك الفئة من المواطنين التي تستقوي عليها الدولة ومؤسساتها بعنصرية مجاهرة وتمادٍ لا يعرف حدوداً ولا منطق إلا منطق البطش والقوة، أمست هي أخرى حلقة من تلك السلسلة المضروبة على أعناقنا.

كتبت وقلت أن الوضع خطير جداً، وما نواجهه من ممارسات قمعية يومية في جميع الميادين وعلى كل الأصعدة لا يمكن الاستهانة به، ولا يكفي لمواجهته ما اتخذ ويتخذ من خطوات وبرامج عمل، فباعتقادي القضية أكثر تعقيداً ومنسوب المخاطر الكامنة يستوجب مراجعة ودراسة ترقيان إلى حجم المسؤولية الواقعة علينا جميعاً، وفي الطليعة على من يُعد من قياديي مجتمعنا ومؤسساته الفاعلة والمؤثرة، على تباين حجمها ومدى تأثيرها.

 

في الآونة الأخيرة طغت أخبار اعتقال كل من الدكتور عمر سعيد والسيد أمير مخول وتصدرت حديث الإعلام والمجتمع الإسرائيلي بشقيه اليهودي والعربي.

سلوك قوات الأمن حينما نفذت الاعتقال، كما روي من أبناء العائلات، كان مستفزاً ومرفوضاً ومنافياً لجميع القوانين والحقوق، والأخطر ما تلا ذلك من تعتيم مغرض على حيثيات القضيتين. أما منع محامي الدفاع من لقاء موكليهما فهو خرق فاضح لبديهيات السلوك البشري والمقبول والمكفول في قوانين الأمم وكذلك في إسرائيل.

علني أضيف معلومة تتعلق في هذه الجزئية والخاصة بأوامر المنع. فهذه مورست وتمارس كسياسة وكقاعدة في حق كل من يعتقل عند جهاز المخابرات الإسرائيلي. من خلال عملي وزملائي المحامين، وبالتعاون مع مؤسسات حقوقية أخرى، قمنا برصد هذه الممارسة خلال سنوات، حيث تكشفت لنا حقيقة تفيد أن القاعدة السائدة في مثل حالات الاعتقال هذه هي إصدار أوامر منع المحامي من لقاء موكله، بينما نجد أن القانون عرّف مسألة المنع هذه كاستثناء يبرَّر بموجبات واضحة وجدية وكافية. ما وجدناه أن أوامر المنع هذه تحولت إلى أسلوب تحقيق متبع يناقض حق المعتقل الأساسي والمكفول قانونياً والضامن للقائه مع محاميه.

بعد رصد هذه الحالة قُدِّم التماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، والتي من المفروض أن تبحثه، على مستوى المبدأ، في الأيام القريبة القادمة.

أكتب عن هذه الجزئية لأقول ما قلناه دائماً، أن ما أتيح ممارسته بحق المعتقلين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حتماً يتفشى ويصبح ممارسة بحق المعتقلين الفلسطينيين والأمنيين داخل إسرائيل، فهذه الظاهرة هي بمثابة القاعدة الممارسة منذ سنوات بحق الأسرى الفلسطينيين، ولم تشفع في الماضي عشرات الالتماسات المقدمة لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية التي آثرت وأولت دواعي الأمن على كل حق أساسي آخر. ممارسة كان ضحيتها هذه المرة الدكتور عمر سعيد والسيد أمير مخول، وأخشى أن أقول أنهما لن يكونا الأخيرين، فالأوضاع كما قلنا لا تبشر بخير وتنذر بما هو أسوأ.

 

ولنبقى في الخاص والقضية الأخيرة، إذ نشهد تجنيداً عنصرياً لما رشح عنها من معلومات أولية، ليضاف هذا زيتاً ووقوداً على نار الردح العنصري العابر لمجتمع كامل بعامته وصحافييه ونخبه والمستهدِف مجتمعاً عربياً كاملاً لطالما اعتبر وحدة فاسدة معادية لا يؤتمن جانبها.

مرات ومرات كنا في مسرح الدمى هذا ودائماً شهدنا وشاهدنا تلك الأيدي التي تحرك هذه الدمى وتضبط إيقاعاتها، وها نحن نشاهد آخر ما حرر وأنتج من عروض هذا المسرح، لكننا اليوم وفي مثل ما آلت إليه أوضاع الدولة الحبلى بمخاطر حقيقية تجاهنا، نأمل أن تنتهي هذه المسرحية بأقصى سرعة ونكون على بينة مما جرى وراء كواليسها.

وعودة إلى العام، ولأننا على شفير هاوية، ولأن ما فعلته القيادة أو ما لم تفعله لم يوقف الانزلاق والتدهور، أعتقد أن هنالك حاجة ماسة لمراجعة ضرورية تؤدي بأُولي الأمر إلى وضع ما يكفل لمواجهة هذه المخاطر وأولها وآخرها يبقى بقاؤنا على أرضنا وفي وطننا.

كما قلت في الماضي أكرر، لا يكفي أن نصرخ صراخ الضحية، ولا أن نقارع كأصحاب حق، فعلى هذا وذاك يجب أن نضيف قسطاً وافراً من الحكمة والمسؤولية، فعسانا نحسّن بهما شروط "اللعبة".

قد يهمّكم أيضا..
featured

البنية التحتية للفاجعة بالنقب

featured

الأستاذ غطاس معلم من نوع آخر

featured

المالح في زمن السكّر

featured

ثاني اقدم مهنة في التاريخ

featured

فوكوياما واندحار أيديولوجيا اليمين الأمريكي

featured

بين خوفٍ مِن وخوف على

featured

خيوط استهداف سوريا من الخليج الى ما خلف المحيط (2-2)