مؤلف الكتاب الصحفي البارز سامي كليب
استعرضت في القسم الأول من المقال (“الاتحاد"، 21 نيسان الجاري) محتويات فصول الكتاب، وفي هذا القسم سأتوقف عند الجديد الذي حمله لنا الكتاب، خاصة وأن المؤلف سامي كليب يقول في المقدمة انه يحتوي على محاضر سرية تعكس حقائق أخرى (ص 13) ويضيف "اعتمدنا في هذا الكتاب على وثائق ومحاضر من مصدرها الأصلي" (ص 18)
أول وأهم ما تكشف عنه الوثائق ومحاضر الاجتماعات التي أوردها الأستاذ سامي كليب في كتابه بينت ما اقتنع به الكثيرون منذ البداية، لكن أهميتها تكمن في أنها تشكل دلالة قاطعة أمام من يرفضون رؤية المشهد على حقيقته وهو "أن ما جرى في سوريا لم يكن حربا أهلية ولا حرب السوريين فيما بينهم فقط، وانما كان فيه أيضا وخصوصا حرب على سوريا ودورها وارتباطها بالمحور الذي تنتمي اليه"، (ص 449).
**دور اسرائيل وأمريكا المثبت في تدمير وتقسيم سوريا
انشغل البعض عندنا ومن خلال الكتابات السريعة والسطحية على الفيسبوك خاصة حول الموقف الاسرائيلي الرسمي من أحداث سوريا، وراح البعض في شطط سياسي يدعي أن حكومة اسرائيل تقف الى جانب الأسد وتعمل على بقائه لأنه حافظ على حدود هادئة مع اسرائيل، وتصدى لهم البعض بأن اسرائيل معادية للنظام المقاوم في سوريا ولتحالفاته الاستراتيجية التي تشكل خطرا على استقرار المنطقة في نظرهم. وفي خضم ذلك النقاش نسي معظم الناس، أو تم تغييب حقيقة ساطعة يؤكدها لنا المؤلف من خلال كشفه عن مقال يبحث استراتيجيات اسرائيل، صادر عن المنظمة الصهيونية العالمية ونشر في مجلة "كيفونيم" في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، جاء فيه "إن تفكيك سوريا والعراق لاحقا إلى مناطق عرقية ودينية كما في لبنان، هو هدف اسرائيل الأول على جبهتها الغربية على المدى الطويل بينما تفكيك السلطة العسكرية لهذه الدول هو هدفها في المدى القصير." (ص 419) وهذا تأكيد ما هو مؤكد، لكن الحقد الأعمى على الرئيس الأسد أدى بقطاعات واسعة الى تجاهل الحقائق التي كانوا يؤمنون بها، ويتغاضون عن المخططات الخبيثة المرسومة لسوريا ولعدة دول عربية بالتقسيم والتهميش بشكل مريب.
ويتابع ذلك المقال بتعيين الدويلات التي ستنشأ في سوريا من علوية- شيعية الى سنية وأخرى درزية وهو ما سيكون ضمانة لأمن اسرائيل! لذا فان موقف نتنياهو الآني مما يجري في سوريا لا يختلف عن هدفه الاستراتيجي، لكن مواقف الفلسطينيين بالذات والعرب عامة انقسمت للأسف بين مخطط تقسيم سوريا ورؤية وحدة الدولة السورية وسيادتها.
وفي وثيقة لمعهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة، احتوت توصيات لحكومة اسرائيل بالتعاون مع تركيا والأردن لاضعاف وضرب سوريا، (ص 420). وكان رئيس جهاز الشاباك الاسرائيلي، آفي ديختر قد قدم محاضرة بعنوان "العالم العربي وخطط التقسيم" عام 2008 وفيها نقرأ بذهول، كما يشير المؤلف عن أمور تحققت فيما بعد، يخلص فيها الى العمل نحو المزيد من تقويض القدرات العربية في الدول الرئيسة ويقصد سوريا والعراق لتحقيق المزيد من الأمن القومي لاسرائيل، وهذا ما وفرته ما دعيت زورا "ثورة" في سوريا والفوضى في العراق بعد صدام.
عندما بدأنا نسمع عن الاتصالات بين بعض أطراف المعارضة السورية واسرائيل استغربنا ودهشنا لهذا السقوط الوطني والأخلاقي لتلك الأطراف، واستعانتها باسرائيل العدو الاستراتيجي لسوريا، وبذلك تخلت عن موروث قومي وطني متفق عليه مما صنف تلك الأطراف في اطار الخيانة ولا يمكن أن يكون أي توصيف آخر. لكن اسرائيل نفسها لم تكن مندهشة من هذا التطور الذي عملت من أجله منذ سنوات قبل الحرب على سوريا، حيث لمست بعض التراخي والميول الغربية لأطراف في المعارضة، لذا دعا ديختر في محاضرته المذكورة آنفا الى "الوصول الى المعارضة السورية في الخارج وفي الداخل، حيث أثبت هذا الخيار فاعليته على الساحة العراقية"، (ص 423). وهذا يفسر دعم اسرائيل العلني للمعارضة السورية بعيد انفجار الاحداث في سوريا، وتمثل ذلك في غارات الطيران الحربي الاسرائيلي لمواقع للجيش العربي السوري واستقبال جرحى الفصائل المعارضة حتى لو كانت اسلامية متطرفة في المستشفيات الاسرائيلية بزعم دوافع انسانية، وهي ممارسات ما زالت مستمرة وبشكل واضح أكثر.
بعد نجاح التآمر على سوريا وفي عام 2013 عقدت حلقة نقاش في "مركز بيغن- السادات الاسرائيلي" ،عرضت فيها بعض الأفكار والآراء منها استفادة اسرائيل من الاقتتال بين الفرقاء على الأرض السورية، ورغبتها في قيام نظام جديد في سوريا وتفكيك الجيش السوري - الجيش الوحيد المتماسك على حدود اسرائيلية.
وتتفق الرغبات والمخططات الأمريكية مع الاسرائيلية كما يكشف كاتبنا عنها اعتمادا على وثائق ويكليكس من عام 2015، والتي تحدثت عن وثيقة أمريكية تحدد أهداف أمريكا قبل الحرب على سوريا وهو ما تحقق خلالها، مستغلة حادثة اغتيال الحريري في لبنان افضل استغلال من ناحيتها، الى جانب عوامل أخرى. ويستنتج كليب "يتضح من خلال هذه الوثيقة السرية، أن الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل كانتا قد بدأتا مباشرة بعد فشل اسرائيل في تحقيق أهدافها في لبنان عام 2006 وخسارتها الكثير من جنودها ودباباتها، وبعد موقف الأسد من اجتياح العراق والمساهمة في ضرب الأمريكيين هناك، بدأتا، بالتفكير جديا في زعزعة سوريا على أساس أن تفكيكها وانهيار النظام فيها يعني تفكيك منظومة محور المقاومة"، (ص 428).
**معارضة مأجورة وتابعة تهدف الى تكوين سوريا أخرى مشوَّهة
أثبتت ما تدعى "المعارضة السورية" بسلوكها المفضوح ونهجها الوقح أنها ليست معارضة "معتدلة" كما حاول أعداء سوريا تصديرها للعالم، بل ما هي الا معارضة مأجورة وعميلة وتعمل بأوامر مموليها من قطر والسعودية ورعاتها وداعميها مثل تركيا والغرب الاستعماري، وقد كشف لنا كليب وثيقة بعنوان "بروتوكول الدوحة" تفيد بأن المعارضة وبحضور رئيس وزراء قطر اتخذت قرارات باجتماع سري تفضح نهجها المتآمر والمتخاذل، وعلى رأسها التنازل عن الصراع المسلح مع اسرائيل والتنازل عن المطالبة باستعادة الجولان المحتل ( في تصريحاتهم العلنية يعيبون على الأسد أنه لم يطلق رصاصة نحو الجولان!) وعدم المطالبة بلواء الاسكندرونة الذي تحتله تركيا، والغاء العقود مع روسيا وايران وغيرها من القرارات التي تجعل سوريا تابعة للغرب ولا سيادة لها كما حصل لمصر السادات بعد كامب ديفيد، (ص 439-440). هكذا سيكون حال سوريا لو جاءت الى السلطة فصائل "المعارضة"، وهكذا تريد اسرائيل ويسعى الغرب الى جعل سوريا دولة مشوهة، ضعيفة، تابعة، متقوقعة وخاضعة لهم.
لقد حقق الغرب الاستعماري بدعم من دول الخليج الرجعية أهدافه التي رسمها في سوريا حتى الآن، ومنها الدخول الى سوريا من خلال المطالب الاصلاحية وثانيا عبر الفتنة المذهبية، فتلك الأنظمة وكل أعداء سوريا خرجوا عن طورهم وبشكل مهين وساقط، حين ضربت الولايات المتحدة مطار الشعيرات، داعين اياها لمزيد من الغارات على سوريا حيث لم يعد للحياء اعتبار عندهم. وهذا بالضبط ما سهلت أمره المعارضة المتخاذلة والمأجورة التي باعت وخانت وطنها كما خان يهوذا معلمه السيد المسيح مقابل بضعة دراهم، والتي تفوقت على يهوذا بوقاحتها الذي أقدم على الانتحار بعد اكتشافه لفداحة خيانته.
**تركيا ودول عربية تنخرط في مخطط تقسيم سوريا بدوافع الحقد
صحيح أنه مرت فترة من العلاقات الحسنة بين سوريا وتركيا، لكن تحت المياه الهادئة كانت هناك عوامل جاهزة لأن تنقلب تركيا على سوريا بانتظار اللحظة الحاسمة، فالرئيس التركي السابق هدد سوريا عام 1998 لمساندتها حزب العمال الكردستاني كما ادعى، وبعده جاء أردوغان ذو الميول الاخوانية والمتعاطف معهم في سوريا، لذا اتخذ أردوغان خيار الوقوف الى جانب "الاخوان المسلمون" في وجه الأسد العلماني. وانخرطت تركيا في التآمر على سوريا، وفتحت الحدود أمام عصابات المأجورين الوافدين الى سوريا للمشاركة في الحرب الكونية القذرة عليها، بل أقامت معسكرات تدريب لتلك العصابات وقدمت لها التسهيلات بما فيها نقل الأسلحة عبر حدودها.
يكشف لنا المؤلف عن محادثة هاتفية بين أردوغان والأسد في بداية الأزمة من يوم 26/3/2011، وفيها خاطب أردوغان الأسد بـ "الأخ" وتحدث معه بلطف بارز أخفى خبثه الحقيقي، وأطلع الأسد جاره على رزمة الاصلاحات التي نفذها الى جانب الرزمة القادمة. وجاء محضر لقاء الأسد مع أحمد أوغلو، وزير الخارجية التركي آنذاك من يوم 9/8/2011، كاشفا عن نوايا تركيا التي كان وزيرها يتحدث مع الأسد وكأنه ممثل "المعارضة السورية" أو ناطقا باسم حلف الأطلسي، فكان يتحدث بلهجة متعالية ويحاول استعمال لهجة الاملاءات مع الأسد الذي رد عليه بحزم وثقة وأطلعه على حقائق الأمور علّ تركيا تعود الى رشدها، لكن تركيا كانت قد انخرطت في المخطط المرسوم لسوريا، وهذا ما يؤكده تقرير ظهر في 24/10/2012 في احدى المجلات الأمريكية ويبين مصلحة تركيا في تقسيم سوريا. بعد اللقاء المذكور ذهبت العلاقات بين تركيا وسوريا الى القطيعة، (مراجعة الصفحات 222-247).
أما التحول في مواقف الدول العربية، فلعله من أغرب ما تحمله وثائق الكتاب، ودل على مدى تبعية تلك الدول خاصة الخليجية للارادة الأمريكية، حيث رغبت تلك الدول الى ترحيل الأسد الذي تصدى لمخططاتهم وكشف نواياهم ووجه لهم الانتقاد الصريح، فحقد الحكام عليه وعملوا كل ما بوسعهم وكل من منطلقاته على تدمير سوريا واسقاط نظامها الوطني. ويكشف لنا كليب من خلال نشر محضر لقاء الأسد مع وفد الجامعة العربية في دمشق يوم 26/10/2011، مدى التلون العربي من خلال عبارات المجاملة والرياء لسوريا ورئيسها والانقلاب عليه بعد الجلسة بأسبوعين،( الصفحات283-321).
يستعرض المؤلف في كتابه زوايا عديدة لا يمكننا في هذا الاستعراض الوقوف عندها بتوسع، منها علاقة سوريا مع حلفائها وخاصة روسيا وايران وحزب الله، وانتقال العلاقة مع العراق من الجفاء والخصام الى الصداقة والتحالف، وكلها جديرة بالمراجعة والتمعن فيها.
ان الكتاب الذي يضعه الاعلامي سامي كليب بين أيدينا، جدير ليس بالقراءة فحسب بل هو يشكل مرجعا هاما لفهم ما يدور على أرض سوريا، فالوثائق ومحاضر الجلسات المفصلية هي خير دليل على أن "ما جرى في سوريا لم يكن حربا أهلية ولا حرب السوريين فيما بينهم فقط، وانما كان فيه أيضا وخصوصا حرب على سوريا ودورها وارتباطها بالمحور الذي تنتمي اليه"، ( ص 449).
• سامي كليب - الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج الحرب السورية بالوثائق السرية، دار الفارابي، بيروت، طبعة ثانية 2016
