لا يمكن لأحد تجاهل هذا الأمر، لأن الفاجعة كلها مصبوغة أصلاً بألوان سياسية قاتمة. فالضحايا، من قرية غير معترف بها، كانوا في حافلة سارت على شارع يسمى بمعجم الشرطة نفسها "شارعًا أحمر"، أو "شارع موت" باللغة المستخدمة لوصف شوارع تهدد سلامة وحياة مستخدميها. وهناك مصدر في الشرطة اعترف أمس أن تحميل الآليات الزراعية على الشاحنة كان بشكل يخالف القانون والتعليمات. وهذا كله بمسؤولية السلطات الكاملة بدون أي شك.
لقد هزّت هذه الفاجعة المشاعر الإنسانية دون فرق في الانتماءات، لكنها تزيد لدى أهلنا في النقب، وجماهيرنا العربية وشركائهم اليهود التقدميين عمومًا، شعور المرارة والغضب، بسبب ما يعيشه عرب النقب من تبلّد سلطوي نحوهم في جميع مناحي الحياة. ومخطئ تمامًا من يحاول حصر الفاجعة في إطار القدَر أو في حدود الحادث العارض! لأن هناك أرضية وبنية تحتية لهذه المأساة.
فهذا الشارع (رقم 31) هو شارع دموي يحصد حياة الكثيرين سنويًّا، ولطالما تم التحذير من خطورته، لكن السلطات الحكومية واصلت تجاهله وتجاهل شوارع شبيهة به من حيث خطورتها على المواطنين. وليس فقط أن هذه الحكومة اليمينية المتطرفة (وجميع سابقاتها دون استثناء!) متورطة في تعميق الفقر والبطالة وقسوة العيش، بل إنها تنتهج ضد عرب النقب سياسة تمييز عنصري وطبقي بشعة ومضاعفة، وهو ما يتجسّد في نهب أراضي المواطنين العرب في النقب، هدم بيوتهم وقراهم، محاولات تهجيرهم وسجنهم وتركيزهم في مساحات مخنوقة وخانقة، ومعاملتهم كمشكلة وعبء يجب التخلص منه وليس كمواطنين وبشر!
هذه العقلية والممارسة السلطوية العنصرية هي السبب في عدم الالتفات قط الى ضرورة تطوير الشوارع والبنى التحتيّة لمنع الحوادث والكوارث كالتي رأيناها أمس بقلوب حزينة وصدور غاضبة. التهمة موجهة الى السلطات التي تتحمل مسؤولية وضع البنية التحتية لهذه الفاجعة.
