- النتيجة واضحة وهي أن الشعوب هي التي تحقق انتصاراتها وليست القرارات الدولية ومصالح الدول الكبار، فإسرائيل اعترفت بمنظمة التحرير فقط بعد الانتفاضة الشعبية (1987 – 1993) وإسرائيل انسحبت من لبنان فقط بعد المقاومة التي خسّرتها أرواحا وأموالا. لهذا فالأمر الأساسي المطلوب من القيادة الفلسطينية هو تفعيل المقاومة الشعبية إلى جانب المساعي الدبلوماسية التي تأتي مكملة وليس بديلة عن النضال الشعبي.
على ضوء التحضيرات للاعتراف بدولة فلسطين على حدود الـ 67، تشهد الساحة الفلسطينية مؤخرا حراكا دبلوماسيا يستحق الثناء، تُوّج مؤخرا بنجاح سياسي لافت لفلسطين على اسرائيل.
"تحيا فلسطين!" هتافات وتصفيق حار دوّى صداها قاعة اليونسكو الرئيسية في باريس ابتهاجا بالإعلان عن عضوية فلسطين الكاملة في هذه المنظمة الدولية الهامة. انجازٌ لا يمكن تقزيمه. فقد أثبت الفلسطينيون قدرة دبلوماسية لافتة تعتمد بالأساس على عدالة قضيتهم، رغم أن خصمهم الإسرائيلي أخطبوط في علاقاته الدولية وله طواقم مرافعة وإعلام دولي غير موجود لدى أية دولة سواها في العالم، علما أن دولا طبيعية في العالم ليست بحاجة إلى طواقم "بروباجاندية" إلا اذا كانت سياستهم وممارستهم تستدعي ذلك لمخالفتهم الأعراف الدولية والأخلاقية المتفق عليها بين الدول والشعوب. ورغم أن إسرائيل تُخصص وزارة كاملة لموضوع المرافعة الدولي، بما يتجاوز طاقة وأموال منظمة التحرير الفلسطينية بما لا يُقاس، ورغم أن التمثيل الإسرائيلي كامل في الأمم المتحدة بينما الفلسطيني متمثل بصفة مراقب محدود الصلاحيات ولا يحق له التصويت، فإن عدالة القضية الفلسطينية وممثليها أكثر إقناعا للعالم من أموال واشنطن وتهديداتها، ورغما عن انف واشنطن وتل ابيب اُضيف العلم الفلسطيني الى مجموعة الاعلام الـ 194 دولة في اليونيسكو إيذانا بالقيام الفعلي للدولة.
- //انجاز مهم جدا، ولكن!
تجب رؤية المسعى الدبلوماسي الفلسطيني ضمن تراكمية المسيرة الدبلوماسية الفلسطينية منذ أربعة عقود. إن اعتراف الامم المتحدة بالمنظمة الفلسطينية كجسم شرعي ممثلا للشعب الفلسطيني وإخراج هذه المنظمة من دائرة المنظمات الارهابية لهي من أولى خطوات العمل الدبلوماسي المنظم للفلسطينيين الذي مر بمحطات كثيرة حتى وصل الى ما وصل اليه اليوم. وقد وصل هذا المجهود إلى إحدى قممه يوم خطب الرئيس الراحل عرفات في العام 74 فارضا الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا مراقبا في الأمم المتحدة، ووصل الجهد الدبلوماسي قمة مجددة في العام 1988 حين اعترفت بدولة فلسطينية نحو مئة وعشرين دولة، أكثر من عدد الدول المعترفة بإسرائيل! وفي عامنا هذا 2011 نشهد ذروة جديدة متمثلة بالخطاب المدروس جيدا والملهم للرئيس عباس في ايلول المنصرم والانضمام لليونسكو بعضوية كاملة، وكلاهما انجازان قائمان بحد ذاتهما، ومؤسسان لإقامة الدولة فعليا على أرض الواقع.
ومع هذا فقد علّمنا التاريخ أن الحراك الدبلوماسي وحده لا يكفي وأن قرارات الامم المتحدة مع اهميتها تبقى احيانا رمزية ومرجعية سياسية نظرية غير مطبقة على ارض الواقع، والشعب الفلسطيني أخبر بهذه الحقيقة وهو المزوّد بعشرات القرارات الدولية منذ قرار التقسيم 181 إلى القرار الخاص بعودة اللاجئين 194 إلى 242 و338 وغيرها الكثير، وناهيك عن الدول الاشتراكية ودول عدم الانحياز والعربية وغالبية "الإسلامية" فقد أيدت أمريكا وغرب أوروبا رسميا جزءا من هذه القرارات دون نية حقيقية لتطبيقها، ورغم ذلك فلم يتحقق شيء منها، تماما كما لدى اسرائيل ذاتها توصيات من لجان تحقيق كثيرة، كلجنتيْ "شمغار" و "أور" اللتين لم يتحقق منهما شيء.
ورغم استنفار العالم والأجواء الايجابية التي تحيط الحراك الدبلوماسي الفلسطيني، ورغم النجاح الحذر لدول العالم بتجاوز الضغط الأمريكي، ورغم أهمية القرار الذي سيجعل اسرائيل دولة محتلة لدولة اخرى عضو في الامم المتحدة حسب القانون الدولي، وهذا سيساهم في الضغط على إسرائيل لسحب احتلالها، إلا أن هذا لا يكفي أبدا لفرض حقائق على أرض الواقع، وحسبنا تجربة الاحتلال الإسرائيلي لدولة لبنان العضو في الأمم المتحدة، ولكن إسرائيل لم تخرج من لبنان بفضل ضغوطات وعقوبات الامم المتحدة انما بفضل المقاومة اللبنانية. والحال نفسه نراه مع الجولان، الذي لا يزال محتلا وقرارات الامم المتحدة بهذا الشأن تبقى حبرًا على ورق رغم أن سوريا دولة ذات سيادة وذات عضوية كاملة بالأمم المتحدة.
النتيجة واضحة وهي أن الشعوب هي التي تحقق انتصاراتها وليست القرارات الدولية ومصالح الدول الكبار، فإسرائيل اعترفت بمنظمة التحرير فقط بعد الانتفاضة الشعبية (1987 – 1993) وإسرائيل انسحبت من لبنان فقط بعد المقاومة التي خسّرتها أرواحا وأموالا. لهذا فالأمر الأساسي المطلوب من القيادة الفلسطينية هو تفعيل المقاومة الشعبية إلى جانب المساعي الدبلوماسية التي تأتي مكملة وليس بديلة عن النضال الشعبي.
- // قراءة تحليلية للمشهد الدبلوماسي
إن لقبول فلسطين في منظمة اليونيسكو ابعادًا سياسية يجب الالتفات إليها واهمها أنه لأول مرة منذ اتفاقية اوسلو عام 1993 وبدء المفاوضات برعاية الولايات المتحدة تقرر منظمة التحرير الفلسطينية الخروج من تحت العباءة الأمريكية وإعادة الاعتبار إلى دول العالم ووزن شعوبه، وهذا انجاز حقيقي لا يقل أهمية أبدا عن التصويت ذاته في الأمم المتحدة.
يبدو ان قوانين اللعبة الدبلوماسية بدأت بالتغير، بعد مرحلة دامت عقدين من الهيمنة الأمريكية الكاملة، ومن هنا نستطيع ان نقرأ بوضوح رد فعل الولايات المتحدة العصبي وقرارها – المعتمد على قانون سُن بالكونغرس في العام 1993، قبل الاعتراف بالمنظمة- بتقليص الميزانية التي تخصصها لليونسكو بعقاب جماعي لأطفال العالم ممن يستفيدون من برامج تعليم القراءة والكتابة والعلوم وغيرها الممولة من قبل اليونيسكو. أما إسرائيل فتتخبط في ردود فعلها التي تصل في احدها لتهديد إيران في محاولة بائسة لفرض هيبتها العسكرية بعدما فقدت هيبتها الدبلوماسية امام العالم.
إن تهديد اميركا بتقليص الميزانيات لليونسكو وتهديد اسرائيل بالانسحاب من هذه المنظمة يدلان على انهزام دبلوماسي لهاتين الدولتين، والذي قد يكون له اثر الفراشة اذا تتابعت الاعترافات بالعضوية الكاملة لفلسطين في المنظمات الاخرى التي تنوي السلطة الفلسطينية تقديم طلب عضوية بها مثل UNIDO، WIPO UNCTAD وغيرها، كما اعلنت السلطة. فاذا قطعت الولايات المتحدة علاقاتها مع هذه المنظمات ايضا وحرمتها من ميزانياتها وانسحبت اسرائيل منها، فلذلك سيكون تأثير سلبي على تحقيق اهداف السياسة الخارجية لإسرائيل، وسيضر بقدرتها على التأثير على قرارات المجتمع الدولي وسيساهم في عزلها. واعتقد انه ليس فقط القبول لليونسكو (مع كل أبعاده العملية التي تتيح للفلسطينيين المطالبة بالاعتراف برموزهم الثقافية والدينية في المناطق المحتلة مما يساهم في شرعنة وهيمنة الرواية الفلسطينية) هو ما يقض مضاجع اسرائيل الرسمية، انما مدلول هذا الاعتراف والاعترافات القادمة المحتملة والسيناريو المطروح اعلاه.
ومن اللافت للانتباه انه ليس فقط قوانين اللعبة الدبلوماسية بدأت بالتغير لما هو ليس بصالح الولايات المتحدة، انما أيضا الظروف الاقليمية والمشهد السياسي العربي بربيعه، هذا الربيع العربي الذي لا يتماشى مع المصالح الامبريالية الامريكية التي فقدت اهم حلفائها في الدول العربية من قادة وانظمة مخلوعة. ومن المتوقع ان الفيتو الاميركي في مجلس الامن - في حال ان لا مناص من استعماله عند التصويت على عضوية فلسطين الكاملة بالأمم المتحدة- سيكون له وقع على العلاقات العربية الاميركية بتركيبتها الجديدة مما سيخل بتوازن القوى والعلاقات بين الولايات المتحدة والدول العربية، وقدرة الولايات المتحدة الـتأثير على قرارات القادة العرب كما كان في السابق.
هذه الظروف مجتمعة تخلق واقعًا جديدًا لم نعرفه منذ فترة والذي يتجلى ببدء زعزعة الهيمنة الاميركية داخل المجتمع الدولي وايضا على مستوى الساحة العربية. ان هذه الصورة الجديدة للعلاقات الدولية تخلق فسحة من فرص تحقيق المكاسب الدبلوماسية والسياسية التي يجب الا تغفل عن بالنا، اذ ان الكرة بملعبنا الآن.
- // عن دورنا نحن
من هذا الانجاز الدبلوماسي اللافت ممكن ان نستوحي اساليب نضال شعبي جديدة، فمع تأكيدنا وقناعتنا بضرورة النضال اليهودي العربي المشترك الذي لا غنى لنا عنه، علينا تطوير هذا النضال واستغلال الفرصة السانحة لنا الآن المتمثلة بدعم المجتمع الدولي للقضية الفلسطينية وتشكيل طواقم مرافعة دولية عربية- يهودية تزور كل السفارات خاصة الغربية منها لعرض موقف الجماهير العربية واليهودية الديمقراطية وتقديم مطالبنا. وعلينا ايضا إقامة طواقم إعلامية دولية تُبرز مطالب الآلاف من وسط تل ابيب الذي يطالبون العالم بالموافقة على الدولة الفلسطينية.
وفي هذا السياق يجب الالتفات الى انه في المدة الاخيرة تعالت اصوات داخل الولايات المتحدة تطالب ادارتها بالتقليل من دعمها المطلق والاعمى لإسرائيل من منطلق ان هذا الدعم يكلف خزينة الادارة الاميركية كثيرا في ظل ازمة مادية يعيشها الامريكان واعتقد ان الوقت الآن يسنح لليسار الاسرائيلي بــأن يرفع الصوت مطالبا المجتمع المدني الاميركي ويهود اميركا بالذات بتنظيماتهم المختلفة الا يمارسوا صهيونيتهم على حساب مواطني هذه البلاد من عرب ويهود وعلى حساب سكان المنطقة التي ستجر الى الويلات اذ ما لم يتم كبح جماح حكومة الكوارث هذه.
إن الحراك الدبلوماسي الفلسطيني ما هو الا تدويل للصراع الفلسطيني-الاسرائيلي ومن هنا علينا نحن ايضا تدويل نضالنا ومطالبنا. ان قلب الموازين الدبلوماسية السياسية هذه يجب ان يستغل من قبل الاحزاب، المجتمع الاهلي والحركات الجماهيرية هنا في إسرائيل، لان الفرصة سانحة لنا لاسماع الصوت اكثر من اي مرة سابقة. ان طواقم المرافعة الدولية هي ليست حكرا على رجال ونساء السلك الدبلوماسي فقط انما ممكن ان تخرج من قلب الجماهير الباحثة عن العدالة، ومن قلب النضال الشعبي المتعدد الاشكال وهذا هو دورنا الأساسي والذي لا يستطيع أحد أن يقوم به سوانا.
