مفردات نذكرها ونتذكرها أيامنا هذه.. مفردات يرى فيها ساستنا وجنودهم في هذا العالم العجيب الغريب حلولا لفكِّ الاشتباكات وتعزيز الانتصارات.
لقد استطاع مقلاع داود ذات يوم أن يقذف حجرا يشجّ به رأسَ جوليات الجبّار الفلسطيني.. هذه قصة توراتية لن تتكرر في عصرنا هذا،عصر التقنيات باقمارها وصواريخها. في واقع أيامنا هذه نقرأ في الصحف الآتية من الشرق البعيد عن عزم الشرطة الهندية استخدام مقاليع محشوّة بمسحوق الفلفل على شكل كريات بدلا من الحجارة المطاطية لصدِّ المتظاهرين في تحركاتهم ضد الحكومة والحاكمين.. يبدو ان خراطيم المياه ومسيلات الدموع والهراوات المكسوة بالمسامير أمست سياطًا تدغدغ أبدان المتظاهرين الساخطين لأن هذه في تبريرهم غير فتاكة بما فيه الكفاية... وبهذا يؤكد قادة الشرطة الهندية أن الفلفل أقوى تأثيرا من الوسائل التقليدية في لجم المعارضين.
والسؤال: هل يستطيع الفلفل الحراق حرق انسان يُطالب بحقه وشرعية مطالبه؟!
لا يتظاهر أحد في هذا العالم من أجل التظاهر.
يتظاهر الناس ويوجهون رصاصهم الديمقراطي في معارضة بناءة صائبة ضد من يريد الاجهاز عليهم واذلال حياتهم ووأد آرائهم.
في الحديث عن الفلفل الهندي أتذكر كيف جرجر المستعمر البريطاني أذياله من بلاد غاندي: كان الرهبان الهنود يقفون في الشوارع وفي الحواري صامتين كأن على رؤوسهم الطير لا يحملون مقلاعا أو حجرًا بل يُخرجون بصاقا من افواههم كلما مرَّ جنود المستعمرين من مكان وقوفهم. إن بُصاق البراهمة الهنود كان ذا تأثير نفسي ليستعيد المستعمر صوابه بعد أن فقده فكان الجلاء ونالت الهند استقلالها.
هذه النضالات الشعبية المسالمة أثبتت انها أقوى من الفلفل والغاز وجلد السياط.
في هذا السياق اتذكر صبيان غزة يوم كانت هذه تحت الاحتلال الاسرائيلي. يومها كان الصغار الغزيون يربطون علب التنك الخاوية بأذناب وأعناق القطط ويطلقونها تتراكض أمام جنود الاحتلال لتُنغص حياتهم بموائها وضجيج عِلبها التنكية فيبدأون الشكوى والتذمر أمام قادتهم الغزاة الذين سرعان ما أقروا الانقلاع من ديار الغزيين.
من المقاليع أنتقل الى القلاع- قلاع دولتنا المحاطة بأسوار العَزل والفصل لمنع الفلسطينيين من الاقتحام أو التسلل.. هذه القلاع كانت جيدة وفاعلة يومَ أنقض الاسبارطيون على أهل طروادة من خلال اختبائهم في مُجسَّم خشبي اسمه (حصان طروادة). هذه القلاع القائمة خلف جدران العزل لن تقوى عليها خيول طروادية عصرية حيث يتهاوى الابرياء امام سكاكين ومقصات صبْية من الفلسطينيين المطالبين باقتلاع المحتل الذي اقتلعهم من قراهم وبيوتهم وأقام المستوطنات على ترابهم الوطني.
إن مقاليع الفلسطينيين وقلاع الاسرائيليين وسياسة اقتلاع البشر والحجر والشجر لن توصلهم لحلول خير مُشتهى أو منشود. على الطرفين الحوار والتفاوض السلمي وعلى الطرف الاسرائيلي تحديدا المتفوق بترسانته أن يُصبح قادرا على حمل استحقاقات السلام فهذا يصبّ في مصلحة اسرائيل الاستراتيجية وسلامة شبابها وسلامة شباب فلسطين على حد سواء. سيبقى وطننا على كفِّ عفريت حتى يصْرع ابناءُ الوطن اليهود والعرب كلَّ العفاريت الجاثمة على صدورهم وأذهانهم في هذا الشرق الذبيح.