الاستاذ الكبير الراحل غطاس غطاس
اسمه وصل إلى مسامعي، من قبل ان أصل أنا إلى المدرسة الثانوية في الرامة لأكمل فيها دراستي الثانوية.. وكان ذلك في مطلع سنوات الستين من القرن الماضي. قالوا عنه "الأستاذ غطاس" هكذا سمعت الناس يسمونه. وكما تعلمون فالناس من أصناف عديدة.. فمنهم من كان طالبًا عنده وتتلمذ على يديه! ومنهم من ذكر اسمه ليعتز به ولينبئك بأنه من جيل تحرك فيه ونشط المرحوم "الأستاذ غطاس".. إما في قرية الرامة مسقط رأس المرحوم فتحدث عنه الناس بفخر كما تحدثوا بفخر أيضًا عن المدرسة الثانوية في بلدهم وكما تفاخروا بالمكانة الراقية المتطورة علميًا واجتماعيًا والتي تميزت بها قرية الرامة في القرن الماضي بالذات!
عرفت لاحقًا ان قرية الرامة وفي السنوات الأولى لاقامة دولة اسرائيل قد صدّرت المعلمين بالعشرات إلى القرى المجاورة – نحف، دير الأسد، مجد الكروم، بيت جن وغيرها - وإنا من بين من تتلمذ على يد معلمين من الرامة!! لا أبالغ إذا قلت ان ركب الرامة الحضاري المتميز هذا لم يكن ليتقدم عن غيره لولا تلك الكوكبة من أبناء الرامة المتعلمين والذين كان المرحوم الأستاذ غطاس في طليعتهم.
في سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي.. توزع جميع طلاب المرحلة الثانوية في منطقتنا إلى مدرستين ثانويتين.. مدرسة ثانوية في الرامة ومدرسة ثانوية أخرى في كفرياسيف. وفي كليهما كانت محفزات لتشد قسم من الطلاب إليها.. ومن بين المحفزات التي تحدثوا عنها في مدرسة الرامة الثانوية ان بها معلم اسمه "الأستاذ غطاس"!!
وترك الأمر بعدها للطالب فكان عليه ان يقرر بنفسه لأي مدرسة يتوجه. فتوجهت أنا ومعي كثيرون لمدرسة الرامة الثانوية. لأنني رغبت ان أتتلمذ فيها على يد معلم مخلص، ملم، معلوماته نهائية وصحيحة، مصادر معلوماته متعددة وموضوعية. وهي صفات تميز بها أستاذنا المرحوم (هذا مع اعتذاري للمعلمين الآخرين لأني لم أكن اعرفهم).
درّس المرحوم موضوعي التاريخ والجغرافية طوال مدة مزاولته مهنة التعليم.. والموضوعان في رأيي يكشفان شخصية ومفاهيم المعلم أكثر من غيرهما.. فالتاريخ أحداث تاريخية والجغرافيا حقائق طبيعية!! والمعلومة التاريخية التي تدرسها اشترك في تحضيرها لنا مجموعة من المؤرخين. كل منهم أوردها لنا بما يتلاءم مع مفاهيمه ومصلحته وتطلعاته.. فمن الأستاذ غطاس رحمه الله عرفنا عن إساءة المستشرقين للتاريخ العربي والإسلامي.. عرفنا منه كيف ان هؤلاء المؤرخين المستشرقين خلقوا لنا تاريخًا وواقعًا في الشرق الأوسط اسقطوا فيه عروبة الأمم العربية واحلوا مكانها أصولا فرعونية للسكان في مصر وأشورية للعراق وفينيقية للسكان في لبنان وفلسطين.. وهلمجرا.
من الأستاذ غطاس، رحمه الله – عرفنا عن أحداث الحرب العالمية الثانية ليس بالمفهوم الذي أورده رفيق التميمي في كتابه عن تاريخ العصر الحاضر بل زاد عليها أستاذنا الجليل كل ما سمعه بأذنيه من أخبار الحرب بالراديو.. وما شاهده بعينيه من هذه الحرب في فلسطين والأردن ولبنان وسوريا!!
تابع المرحوم في حينه تطورات الحرب من خلال سماعه لأخبارها من الراديو أو من جولاته وتحركاته الكثيرة في بلدان الشرق الأوسط المكورة ولا بد من الانتباه إلى حقيقة ان جهاز الراديو النادر في تلك الأيام تواجد في بيت الأستاذ غطاس منذ مطلع سنوات الأربعين فسمع المرحوم أخبار الحرب من الراديو تماما كما نسمع نحن اليوم أخبار الربيع العربي والمظاهرات المطالبة بالعدالة الاجتماعية في إسرائيل والسعودية والبحرين.
لفت نظرنا المرحوم إلى أهمية الحرب الإعلامية والى المكانة المتميزة التي احتلها وزير الإعلام النازي غبلس حيث قاد حربًا إعلامية تصف انتصارات النازية في معركة العلمين إلى ان سمعنا عن هزيمتهم شر هزيمة في هذه المعركة على يد جيوش الحلفاء.
وكان هذا مقدمة لانهيار النظام النازي في ألمانيا نفسها!! لقد اخبرنا المرحوم عن دور الجيش الأحمر في هزيمة النازية وكيف ان الحلفاء استغلوا هذا النصر على النازية لمصلحتهم، فوق معلومات أخرى لا اذكرها اليوم.
كل هذه الأمور وغيرها نوردها إنصافا لذكرى معلمنا الكبير الأستاذ غطاس والذي لم يكن معلمي وحدي بقدر ما كان معلمًا للعشرات والمئات من الشباب العربي الذين تتلمذوا على يديه في مسيرة تعليمية موفقة ومتميزة استمرت حوالي نصف قرن تقريبًا من سنة 1937 حتى سنة 1985.
لا يمكن إلا تذكر طول مدة مزاولته لمهنة التعليم التي تميزت بنشاط وهمة فريدين؛ مدة تعليمه طويلة تميزت بفكره المتجدد ونفسيته المحبة للمهنة وللطلاب وأحلام وردية لعصر يقوم على إرساء قواعد المحبة الإنسانية للناس كل الناس.
رحم الله فقيدنا الكبير الذي رحل عنا قبل أسبوع ونيّف وتركنا خلفه أسرة كبيرة من المصابين بفقده على طول البلاد وعرضها شعبًا كاملا اعتبره واحترق في حياته وحزن حزنًا شديدًا على فراقه.. ولكن لا حول لنا ولا قوة فالكل حي نهاية ولا يبقى لنا إلا ان نعزي أسرته وعائلته وأولاده به وكما قلت المجتمع بأسره.
نتمنى له الجنة الخالدة مع الصديقين والأبرار وحسن ذلك رفيقًا وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(دير الأسد)
