هل يتمسّك الفلسطينيون بموقفهم في مواجهة الضغوطات الشرسة؟!

single

* الادارة الامريكية تمارس الضغط والمراوغة التضليلية على القيادة الشرعية الفلسطينية وعلى الرئيس محمود عباس، لالزامه التأرجح على حبل التنازلات عن الموقف الوطني المتمسك بجميع ثوابت الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف*

إن أي متابع او مهتم بأحداث مسيرة التطور والصراع في المنطقة، لا شك بانه لاحظ حراكا ديناميا مكثفا قامت به قوى متعددة، امريكية واوروبية وروسية وعربية وتركية وايرانية، خاصة خلال الشهر الاخير والاسابيع الاخيرة، وذلك بهدف التأثير على مجرى الصراع ووجهته وبالاساس على ساحة الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني وحلبة التفاوض الاسرائيلي – الفلسطيني المفبركة بسبب التنكر الاسرائيلي المتعنت لاستحقاقات دفع عجلة العملية السياسية.
لقد تقاطع وتجاذب العديد من المصالح الاقليمية المتعددة في هذه المنطقة الجغرافيا- سياسية والاستراتيجية الهامة جدا على ساحة التطور والصراع العالمي. فأهمية هذه المنطقة لا تكمن فقط في موقعها الجغرا استراتيجي وبثراء اراضي بلدانها بأكبر احتياطي للنفط عالميا وبأوسع سوق استهلاكية لاستيراد الاسلحة والبضائع والسلع المصنّعة الجاهزة من دول الغرب الصناعية، بل اضافة الى كل ذلك والى جانب كل ذلك  " إن العرب كثيرون ولكنهم قليلو البركة" بسبب الانظمة المتخلفة الاقطاعية المتبرجزة والقبلية المتبرجزة والرجعية الدكتاتورية حجر العثرة في بلورة وقيام محور عربي اقتصادي – سياسي وسوق عربية مشتركة ونقد عربي مشترك، يكون لهذا المحور وزنه الكمي والكيفي على ساحة صياغة القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية للتطور الحضاري في عالمنا وخدمة مصالح الشعوب العربية. فالتفكك العربي في ظل انظمة متعفنة تسود الفئوية والخلافات فيما بينها جعلها دائما عنوانا للهيمنة الاستعمارية والامبريالية على شعوبها ونهب خيرات وثروات بلادها وتدجين هذه الانظمة في خدمة مصالح الاستراتيجية اللصوصية الاستعمارية والامبريالية، بعيدا عن خدمة المصالح الحقيقية لشعوبها التي تعاني ايضا من ظلم الانظمة المتخلفة التي تحرمها من الحقوق الدمقراطية والحريات الاساسية للمواطن والانسان.
قد يسأل البعض وبمنطق "شو دخل رأسه بكعب رجليه" كما يقول المثل، ما هي علاقة هذه المقدمة بالسؤال حول مدى تمسك الفلسطينيين بموقفهم في مواجهة الضغوطات الشرسة المتعددة عليهم!!
إن هذه المقدمة في صلب موضوعنا، فمن اهم عوامل نكبة شعبنا العربي الفلسطيني ومعاناته خلال 62 سنة وحتى يومنا هذا، وحرمانه من حقه الوطني الشرعي بتقرير المصير وبالدولة والاستقلال الوطني هو غياب عمق استراتيجي عربي ناجع يساند بفعالية قضية الشعب العربي الفلسطيني. والانكى من ذلك ليس فقط غياب عمق استراتيجي عربي ناجع بل وجود بعض الانظمة العربية المتواطئة مع اعداء الشعب العربي الفلسطيني والمتخاذلة في التصدي للعدوانية الاسرائيلية وجرائمها ضد الشعب العربي الفلسطيني في الشتات والمناطق المحتلة وداخل الوطن المستباح. وقد استغلت الانظمة العربية مواطن الشتات القسري الفلسطيني في مخيمات اللجوء في عدد من البلدان العربية للسمسرة والمزاودة الوطنية بالقضية الفلسطينية واقامة وبلورة قوى وتيارات سياسية مدجنة في خدمة سياسة هذا النظام او ذاك. ولعل اهم منعطف تاريخي في مسيرة الكفاح التحرري الفلسطيني يكمن في اقامة منظمة التحرير الفلسطينية كتجسيد لاستقلالية القرار الوطني الفلسطيني بالتحرر والتحرر تدريجيا من التبعية للانظمة العربية،  واصبح للشعب العربي الفلسطيني في الشتات والمناطق المحتلة العنوان صاحب الصلاحية في التفاوض باسمه بصفته الممثل الشرعي والوحيد له. وما نود تأكيده ان الشعب العربي الفلسطيني رغم النكبات والمجازر والمعاناة خلال 62 سنة لم يخنع ولم يطوِ راية الكفاح من اجل التحرر والاستقلال.
ولكن رغم ذلك فالوضع الفلسطيني غير مريح وليس في احسن حال، فقد انخفضت مكانة ودور م.ت.ف والسكاكين تلاحق رقبة الحقوق الفلسطينية لاغتيالها، والفلسطينيون عرضة للتجاذبات الاقليمية والانقسام المأساوي بين فتح وحماس والضفة والقطاع قد عمق الجرح الكارثي الفلسطيني في الوضع الراهن، هذا اضافة الى سلطة احتلالية تعتبراعتى سلطة عدوانية يمينية معادية للحقوق الوطنية الفلسطينية.
وعلى خلفية وفي ظل هذه الاوضاع يبرز الحراك الديناميكي الناشط والمتعدد الاطراف والاتجاهات للتأثيرعلى مسار وطابع العملية السياسية في المنطقة  وعلى قضية استئناف التفاوض الاسرائيلي الفلسطيني.
فما هو المدلول السياسي لهذا الحراك، وما هو الموقف الفلسطيني منه؟

 

** وتبقى الخيوط بأيد امريكية

لقد اكدنا قبل حوالي شهرين حقيقتين اساسيتين، الاولى، ان ادارة اوباما الامريكية فشلت في تحريك عجلات العملية السياسية الاسرائيلية – الفلسطينية. فقد فشل اوباما في التأثير على الموقف الرفضي المتعنت لحكومة نتنياهو اليمينية للالتزام باستحقاقات استئناف التفاوض مع الفلسطينيين وفي مقدمتها وقف جميع اشكال الاستيطان. وحدث عكس ذلك، فتحت تأثير اليمين الامريكي المحافظ في الكونغرس وخارجه وضغوطات اللوبي اليهودي الصهيوني الامريكي والعالمي، فقد غير الرئيس اوباما وادارته الموقف بالانحياز الصارخ تأييدا لموقف الجرائم الاسرائيلية بمواصلة الاستيطان "الانتقائي" واخراج القدس الشرقية التي ستتواصل فيها عمليات الاستيطان والتهويد، ومطالبة الفلسطينيين الاعتراف بيهودية دولة اسرائيل وبدولة فلسطينية مفروزة وذات حدود مؤقتة. وهذا الموقف يرفضه الرئيس محمود عباس و م. ت.ف. والسلطة الفلسطينية ويصرون أنه بدون التزام اسرائيل باستحقاقات استئناف التفاوض والاهم وقف جميع اشكال الاستيطان وتحديد المرجعية السياسية للمفاوضات مع جدول زمني وحدود السبعة والستين وبدء التفاوض من حيث انتهت مع حكومة اولمرت السابقة ورفض يهودية الدولة ودولة بحدود مؤقتة.
والثانية: انه رغم الفشل الحاصل فان ادارة اوباما لن ترفع اياديها وراية الاستسلام والتخلي عن المشروع الامريكي الاستراتيجي للهيمنة في هذه المنطقة، وحل الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني – العربي يعتبر احد المفاتيح الاساسية لهذه الخطة ولمواجهة النفوذ الايراني والقوى المناهضة للهيمنة الامريكية – الاسرائيلية في المنطقة. ولهذا لجأت الادارة الامريكية – حسب رأينا – الى اعادة ترتيب اوراقها التكتيكية بهدف جسر الهوة بين الموقفين الفلسطيني والاسرائيلي ومن خلال ممارسة الضغط والمراوغة التضليلية على القيادة الشرعية الفلسطينية وعلى الرئيس محمود عباس لالزامه التأرجح على حبل التنازلات عن الموقف الوطني المتمسك بجميع ثوابت الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف. واعادة ترتيب الاوراق الامريكية تعتمد من وجهة نظرنا على ما يلي:
* أولا: الضغط اكثر لتحريك القوى التي تدور في الفلك الامريكي لتقوم بدور اكثر نجاعة من حيث الضغط على الرئيس الفلسطيني والسلطة الفلسطينية وغيرهما "لتليين" الموقف والانضواء تحت راية المشروع الامريكي للتسوية وفقا للموقف الامريكي – الاسرائيلي المتفق عليه. والمقصود بالاساس النظامين المصري والسعودي ومعهما نظاما الاردن وقطر.
* ثانيا: الضغط بأكف من حرير على حكومة نتنياهو لقطع وعود عرقوبية بتراجعات تكتيكية تسهل على عمليات الضغط لضمان تراجعات في الموقف الفلسطيني المعلن بالنسبة لاستئناف المفاوضات.
* ثالثا: ألاستعانة بالتهويل للخطر الايراني و "محاربة الارهاب" للضغط على موقف الفلسطينيين.
وقد انطلقت السينوريوهات على مسرح الممارسة بتكثيف الحراك والتحركات في المنطقة.
وكانت نقطة البدء لهذا الحراك تفعيل الادارة الامريكية لأهم عرّابي استراتيجيتها في المنطقة، حكومة الاحتلال والاستيطان الاسرائيلية والنظام المصري، حيث عقد لقاء محادثات بين الرئيس حسني مبارك وبنيامين نتنياهو يوم الثلاثاء من الاسبوع الماضي. وقد عاد نتنياهو في نفس اليوم من لقائه مع مبارك في مصر الى مركز حزب الليكود متفائلا من المحادثات التي لم يتمخض عنها تراجع نتنياهو عن تهويد القدس الشرقية او عن يهودية الدولة ووقف جميع اشكال الاستيطان، بل طمأنة حزبه اليميني عن موقف مبارك الذي سيضغط على الرئيس محمود عباس لاستئناف المفاوضات دون شروط مسبقة، وان مبارك سيدعو للقاء تحضيري بين نتنياهو وعباس في شرم الشيخ يعلن فيه كل طرف مطالبه، عباس حول مرجعية الانسحاب الى حدود السبعة والستين ونتنياهو "الموافقة" على مرجعية السبعة والستين ولكن على اساس ضم كتل الاستيطان لاسرائيل او مبادلتها مع اراض والقدس الموحدة عاصمة اسرائيل، واسرائيل دولة الشعب اليهودي ولا لحق العودة للاجئين الفلسطينيين واقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة ومفروزة من السلاح، طرح المطالب ولكنها غير ملزمة لاي طرف.
وفي الوقت الذي كان فيه عباس في شرم الشيخ كان رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في الرياض السعودية يجري محادثات مع وزير الخارجية السعودي حول "المصالحة الفلسطينية". فالسعودية ايضا عرّاب هام في خدمة الاستراتيجية الامريكية وفي تنسيق تام مع ادارة اوباما ونظام مبارك.وتسعى السعودية الى تدجين حماس لابعادها عن ايران بدفع الثمن من عائدات البترودولار وان تساهم في مصالحة بين فتح وحماس، تساعد على تسهيل مهمة الضغط على السلطة الفلسطينية لاستئناف المفاوضات مع المحتل الاسرائيلي وفقا للشروط الاملائية الاسرائيلية - الامريكية. وفي وقت كان فيه المسؤولون السعوديون يسعون من خلال محادثات مع مشعل وعباس للمصالحة الفلسطينية كانت الطائرات السعودية تقصف الحوثيين في اليمن والقائد العام للقوات الامريكية في الشرق الاوسط بتريوس في صنعاء، لدعم نظام علي عبد الله صالح المدجن امريكيا ولابراق رسالة لبلدان وشعوب المنطقة ان ادارة اوباما لم تخلع طاقم الانياب العدوانية لادارة بوش . كما يزور وفد من حكومة الدواجن اليمنية السعودية وقطر.
أما سوريا، النظام السوري، الذي يرفض التدجين في محراب الاستراتيجية الامريكية، فانه يُستثنى بالطبع من حراك الخيوط الامريكية في المنطقة، ومناهض للهيمنة الامريكية ويقوي علاقاته الاستراتيجية مع ايران ومع العديد من قوى المقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية والعراقية. وفي وقت ينشط فيه عرّابو الادارة الامريكية من الانظمة العربية في المنطقة، في هذا الوقت بالذات توجه وفد برلماني سوري كبير الى ايران.
إنه من الاهمية بمكان التأكيد انه حتى كتابة هذه السطور يوم الخامس من كانون الثاني الحالي الفين وعشرة لم يحدد بعد أي موعد رسمي لاستئناف المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية، او أي خطة او مشروع او مبادرة متفق عليها بين اطراف الصراع حول طابع المفاوضات وعن ماذا ستتمخّض. كل ما ينشر هو اما من باب التكهنات او للعلاقات العامة او للتشويه التضليلي. ولكن البعض ينتظر ماذا سيتمخض عن جولة مبعوث ادارة اوباما للشرق الاوسط جورج ميتشل بعد عدة اسابيع الى المنطقة، وماذا سيتمخض عن مباحثات وفد نظام مبارك برئاسة وزير المخابرات عمر سليمان مع اوباما وغيره خلال زيارته الى واشنطن في نهاية هذا الشهر، وماذا سيقترح "الباشا الامريكي"!! ولكننا وللحقيقة نريد التأكيد انه رغم الحراك الامريكي – العربي المكثف فان الموقف الفلسطيني الذي ردده ويردده الرئيس محمود عباس اثناء محادثاته في مصر وقطر وغيرهما، كما يردده غيره من المسؤولين الفلسطينيين هو التمسك بالموقف الوطني المعلن، لا إستئناف للمفاوضات دون وقف الاستيطان ودون تحديد المرجعية السياسية للمفاوضات المرهونة بجدول زمني محدد، ولا لدولة بحدود مؤقتة او الاعتراف باسرائيل كدولة الشعب اليهودي. ولا سلام بدون انجاز الحقوق الوطنية للشعوب.

قد يهمّكم أيضا..
featured

السلاجقة العثمانيون.. لعنة على العرب

featured

أين نحن من توحيد الاعياد لدى المسيحيين !

featured

ارحلي فأنت بدينة، وأهلًا بالرجل البدين

featured

أي خطة للتسوية يبلور الرئيس الامريكي !

featured

"هذا وطنّا واحنا هون"

featured

نتائج التصويت على تقرير غولدستون: إنتصار فلسطيني في الجولة الاولى من معركة مصيرية طويلة الامد وقاسية!!