هذا الموضوع شائك، وكافة الطوائف المسيحية في البلاد تسعى لتجد حلا له. وربما يرى البعض انني اقحم نفسي كعلماني في موضوع ليس من اختصاصي، ولكن مرور السنين الطويلة واستمرار هذا الوضع هو الذي دفعني كما دفع غيري قبلي بسنوات، ان اتدخل في قضايا اعتقد الجميع انها من اختصاص السلطة الدينية العليا. ان عدم تحرك السلطة الدينية العليا اجبر الرعية على التحرك واتخاذ خطوة جريئة بالاعلان في القرى والمدن المختلفة عن توحيد الاعياد، والتحرك مستمر. وانا اعتذر من اصحاب الغبطة البطاركة حيث الظروف لا تسمح لهم بان يكون لهم دور مبادر في التوحيد، فأخذت جماهيرنا في القرى والمدن(كل الاحترام لهذه الخطوات) بنفسها زمام المبادرة واعلنت توحيد الاعياد.
للتوضيح فهنالك تقويم غربي عالمي تسير بموجبه الطوائف الغربية (كاثوليك،لاتين،موارنة، انجيليون وغيرهم) وتقويم شرقي للطوائف الشرقية الارثوذكسية يفصل بينهما فترة ثلاثة عشر يوما. الحل الامثل الذي يسعى اليه الجميع هو ان يعيّد المسيحيون جميعا وبضمنهم الارثوذكس اعياد الميلاد حسب التقويم الغربي، بينما يعيدون جميعا اعياد الفصح حسب التقويم الشرقي.
ان تطبيق هذا الحل لا يتم بسهولة خاصة لدى السلطات الدينية العليا في القدس، فهنالك بطركية اللاتين وبطركية الارثوذكس ولكل منهما امتيازاتهما الخاصة في مناسبات الاحتفالات الدينية الرئيسية مما استوجب وضع انظمة خاصة منذ مئات السنين تحدد نظام الاحتفالات الدينية لكل بطركية: ايام الاحتفال، المواعيد، المسيرات، والحق في القداس في الكنيسة الرئيسية حيث تقوم كل بطركية بنشاطاتها وحدها. لذلك كان رد البطركيتين على توحيد الاعياد: ان كل مساس او محاولة تغيير في الوضع القائم يتسبب في مشاكل لا يمكن تجاوزها. وهكذا فان ابناء الطائفة الارثوذكسية هم الذين يعلنون من مواعيد الاعياد. فجميع المسيحيين في العالم يعيدون اعياد الميلاد ورأس السنة حسب التقويم الغربي (حتى في اليونان نفسها) وبعد اسبوعين يحل دور الارثوذكس ليحتفلوا بنفس الاعياد. ولكن حدثت تحولات وتطورات في مجتمعنا تلزم تغيير هذا الوضع.
اصبح الزواج المختلط (الذي فرضه ابناء الرعية) بين مختلف الطوائف المسيحية عاديا، فمعظم الزيجات في العقود الاخيرة هي مختلطة وهي في تزايد مطرد بحيث اصبح جميع العائلات المسيحية تجمع بين افرادها من مختلف الطوائف. فحسب أي تقويم تريدونهم ان يحتفلوا؟ الا يسبب هذا الامر مشاكل نحن في غنى عنها. وفي المدارس يعطل المعلمون الغربيون الدراسة حسب التقويم الغربي والارثوذكس حسب التقويم الشرقي الامر الذي يؤدي الى فوضى في المدارس طيلة ايام الاعياد. ووزارة المعارف تجد صعوبة في تحديد ايام العطل حتى لا تمس "بحقوق" كل طائفة، كل ذلك لعدم توحيد الاعياد. وفي المصانع والمكاتب والمؤسسات الرسمية يعطل قسم من العاملين حسب التقويم الغربي، ويتفاجأ المسؤولون عندما يطلب قسم آخر من العاملين بعد اسبوعين اذنا للعطلة لنفس الاعياد ويكتشفون عندها ان هناك موعدين لنفس العيد. فالموضوع غير مريح في البيت الواحد، وفي كل مدرسة، وفي كل مؤسسة ومشغل ومكتب وكل سنة تتكرر نفس العملية، فحتى متى؟؟
بدأت القرى والمدن العربية بالتمرد على هذا الوضع وكانت بعض القرى سباقة بالمبادرة وباعلان توحيد الاعياد وبالاتفاق بين العلمانيين والرئاسة الروحية في القرية فتحتفل القرية بأعياد الميلاد حسب التقويم الغربي واعياد الفصح حسب التقويم الشرقي. وهكذا قرية بعد قرية ومدينة بعد اخرى حتى اصبحت الغالبية من القرى والمدن تحتفل بالاعياد موحدة. ولكن كل ذلك على المستوى الشعبي.
ومجلس الطائفة الارثوذكسية في الناصرة سعى منذ عقود لحل هذه المشكلة، واستخدم كل وسائل الاقناع والضغط مع البطركية الارثوذكسية وفي اللجنة المسكونية في الناصرة التي اعلنت توحيد الاعياد منذ اواخر الثمانينيات لكن هذا لم ينفذ رسميا. ومع ان معظم ابناء الطائفة الارثوذكسية في الناصرة يحتفلون بالاعياد الميلادية حسب التقويم الغربي منذ عشرات السنين الا ان ما يسعى اليه المجلس هو توحيد الاعياد على المستوى الرسمي، وذلك باعلان رسمي بالتنسيق مع الرئاسات الدينية ووزارة الاديان والهستدروت يلزم كافة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية والمدارس والمكاتب والمشاغل بتعطيل العمل فيها في مواعيد الاعياد الموحدة، وهكذا نصل الى حل المشكلة.
ألبطريرك ذيوذوروس في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي كان يجيبنا دائما: ماذا تريدون، ان تحتفلوا مع الغربيين ونحن في القدس ننطلق في مسيرة الميلاد وحدنا؟! بالطبع كل بطريرك يترأس مسيرة احتفالية تتقدمها الفرق الكشفية مع ادواتها الموسيقية والخيالة من الشرطة على الجانبين ويسير غبطة البطريرك في المقدمة يضع التاج الذهبي على رأسه ويحمل الصولجان بيده، وتتدلى الصلبان من عنقه ويسير على وقع ضربات عصا "القواسة" الذين يسيرون امامه ووراءه الكهنة والرهبان يليهم الجمهور المشارك. ونحن لا نتدخل ولا نلوم اصحاب الغبطة على هذه المظاهر فهذا شأنهم، وهو تقليد فرض عليهم ويرون ان واجبهم المحافظة عليه، انما ما نطلبه هو توحيد الاعياد بشكل رسمي وان تقام الصلوات الخاصة بالعيد في الكنائس الارثوذكسية ايضا، حت لا يضطر الارثوذكس المحتفلون بالعيد حسب التقويم الغربي الذهاب الى الكنائس الغربية للصلاة. ولا اذيع سرا بالقول ان الكنائس الغربية في الناصرة: الموارنة، اللاتين، الكاثوليك، الانجيليين تغص بالارثوذكس، هذه المواسم، واضيف ايضا ان الكثيرين اعتادوا ان يقصدوا هذه الكنائس كل يوم احد ايضا فما هو مصير الطائفة الارثوذكسية يا اصحاب الغبطة والسيادة؟!
ايضا بطركية اللاتين في القدس تشكو من صعوبة احتفالها باعياد الفصح حسب التقويم الشرقي لان السياح القادمين من اوروبا وامريكا يعطلون للفصح حسب التقويم الغربي فعند قدومهم الى بلادنا لن يجدوا احتفالات اذا جرت حسب التقويم الشرقي. والامر مهم جدا للقدس التي تنتظر السياح الاجانب كل سنة في موسم الفصح. ولا يحل هذا الاشكال سوى بتوحيد الاعياد وعلى مستوى عالمي، أي بعقد مؤتمر مسكوني مسيحي يعلن هذا التوحيد.
عند توجه الوفود الشعبية والطائفية الى القيادات الروحية للمطالبة بحل هذه المشكلة كان الجواب دائما اننا نسعى وننتظر عقد مؤتمر مسكوني مسيحي لبحث هذا الموضوع، والاتصالات مستمرة بهذا الشأن بين الكرسي البابوي والبطاركة الارثوذكس. ولكن مرت عشرات السنين ولم يتحقق عقد هذا المؤتمر. تنظم مؤتمرات عالمية لبحث مشاكل التسلح النووي وموضوع الفقر والامراض والبيئة والمشاكل الاقتصادية، هذه المؤتمرات يتم تحديد موعدها وتتم الدعوة لها ويشارك فيها رؤساء حكومات وقادة سياسيون بالعشرات واحيانا بالمئات والآلاف، وتقرر في الموضوع الذي يعقد لاجله، فلماذا لا يتم نفس الامر مع المؤتمر المسكوني! ونحن نسمع عن قرارات تتم بين القيادات الروحية من الفاتيكان مع القيادات الارثوذكسية وطوائف اخرى، بين فترة واخرى، فما المانع من تحديد موعد مسبق لمؤتمر مسكوني يشارك فيه اصحاب الغبطة والسيادة من كافة الطوائف ويخصص لموضوع توحيد الاعياد، يتم الاستعداد له ستة اشهر وحتى سنة، ويمهد له بندوات واستشارات لانجاحه.
ان صبر الرعية أخذ ينفد، وارادة الشعب تقتضي وجوب توحيد الاعياد ووضع تقويم خاص توزع فيه الاعياد في مواعيد تتوافق مع المناسبة الدينية. وهناك رجال دين مختصون يمكنهم تنسيق ذلك، وهكذا نصل الى حل دائم يرضي الجميع. واذا لم يتم ذلك وطالت المماطلة فان ارادة ابناء الطوائف المسيحية ستحقق توحيد الاعياد في كل قرية ومدينة بمعزل عن السلطة الدينية العليا، التي ستجد نفسها بعيدة عن رعيتها. ومواصلة الضغط الشعبي يمكن ان يتم تبني توحيد الاعياد بصفة رسمية ايضا. وعندها ... في أي موقع ستجد القيادات الدينية نفسها ؟؟
(الناصرة)
