الفلسطيني ليس مشجعًا محروقًا ولا.. حارقًا

single
في المقطع المسرحي الساخر للـفرقة الفنية العبرية الساخرة "غشاش حيفر"، يسأل المذيع مشجعًا محروقًا لفريق كرة قدم، ظهر أنه غير راض من أداء فريقه: "ماذا ستفعلون؟"، يجيبه المشجع المحروق: "أولاً سنحرق نادي الفريق" (أي مقر فريقه).
الشعب الفلسطيني ليس مشجعًا محروقًا، ولن يحرق النادي حتى لو لم يعجبه، بوصف مخفف، أداء المفاوض الفلسطيني. هنالك مؤسسات لهذا الشعب. وهذه المؤسسات مخولة من خلال سجال وحراك شعبي مشروع، أن تقول كلمتها.
كل حل آخر بحرق الأخضر واليابس هو كلام غير مسؤول، ويلتقي، شاء من شاء وأبى من أبى، مع أعداء الشعب الفلسطيني، الذين يتمنون ويعملون على أن يقوم الفلسطيني نفسه بإشعال البيت، لكي يحترق على من فيه.  في كثير من المفاصل التاريخية، كان هنالك من يريد أولا، وقبل كل شيء، حرق النادي، وبعدين أن نفكر. لأ. أولا نفكر وبعدين نقرر. وعندما نفكر بالتأكيد لن نقرر حرق البيت.
أقول هذا الكلام، مع الإدراك التام أن الأداء الفلسطيني في قضية المفاوضات هو أداء بائس على أقل تعبير. فالمفاوض الذي لا يجيد قول كلمة "لا"، في المواقف المفصلية لا يصلح أن يكون مفاوضًا. المفاوضات ليست نزهة، وخاصة تلك المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي، الذي يريد أن يحوز على العصا من طرفيها، والذي يسعى لتحويل المفاوض المقابل إلى ختم مطاطي لتنفيذ ما يريده.
**
إسرائيل تريد من الفلسطينيين إحراق بيتهم، بكل ثمن وفي كل ساحة، ساحة النقاش الداخلي أو في المواجهة مع مؤامراتها وعدوانيتها. وخلال الأسبوع الماضي بدأت بالظهور سيناريوهاتهم حول الانتفاضة القادمة على الأبواب.
ما أشبه اليوم بالبارحة. حينما أغرقونا بتنبؤاتهم حول الغضب الفلسطيني القادم في أعقاب فشل قمة "كامب ديفيد" في العام 2000، وحول السيناريو الذي وضعوه هم بأنفسهم: كيف سيشعلها الفلسطينيون انتفاضة تحرق الأخضر واليابس.. وكان ما كان. وللتدليل على إسهامهم "المبارك" في هذا السيناريو، فقد قتلت أذرع الأمن الإسرائيلية، 13 شابًا عربيًا، مواطني إسرائيل، ثبت بالدليل القاطع، ومن خلال لجنة "أور"، أنهم قُتلوا بدم بارد دون أن تكون هنالك حالة واحدة كان فيها شرطي أو رجل أمن في خطر.
وفي الشهر الأول من هذه الانتفاضة، قتل الجيش الإسرائيلي مئة فلسطيني، في مواجهة "متكافئة"، بين قناص إسرائيلي مدجج بأدق السلاح التلسكوبي وبين متظاهر فلسطيني، الذي لم يكن بإمكانه، أصلًا، رؤية هذا القناص.
مطلوب من الشعب الفلسطيني في هذه الأيام العصيبة، الروية والحكمة. مطلوب منه أن يكون لاعب شطرنج متمرس، يحسب حساب أكثر من خطوة، ويقوم في الوقت نفسه بمراقبة خطوات العدو، التي قد تشغلك في جبهة ما، بينما الجبهة الحقيقة تكون في مكان آخر. مضى زمن انتظار ما يقوله "الزهر".
وعندما ننظر إلى ما حولنا، وبالرغم من الإحباطات الأخيرة فهذه الأيام حبلى بالتطورات الدرامية، حيث يتم وضع حكومة إسرائيل في موقع الاتهام. وبالرغم من تهرب هذا الأوباما، الدون كيشوت فقط أمام إسرائيل، من التزامه بوقف الاستيطان، فقد أصبح شعار وقف الاستيطان، هو عنوان لأية مفاوضات. ولنتذكر المعادلة قبل سنوات حينما نجح شارون بوضع "الإرهاب" في هذا الموقع وتجند العالم ضد الشعب الفلسطيني، بصفته شعب إرهابي.
من المهم، مرة أخرى التأكيد في هذا الزمن الصعب، ومن المعروف إن الامتحان الحقيقي لا يجري في أوقات الانفراج بل في أوقات الأزمات والغضب، ضرورة سبر غور تجربتنا التي تعلمنا، المرة بعد الأخرى، أن طاقة الفرج للسياسة الإسرائيلية تكمن في أغلب الأحيان من رد عربي غير مسؤول، منذ الـ 48 حتى اليوم.
واليوم يحاول قباطنة هذه الدولة توجيه الهجوم إلى قيادة الجماهير العربية. ومن الضروري هنا الإشادة بموقف هذه القيادة المجربة، برفضها اللعب في ملعب المؤسسة الإسرائيلية. تريد السلطة أن "تُمزّك" وتطالبنا أن نرقص نحن على إيقاع موسيقاها.
نهج القيادة العربية في إسرائيل هو نهج حكيم، حينما ترفض دعوات الصحافة والإعلام العبري للتهديد بانتفاضة جديدة. قيادة الجماهير العربية في إسرائيل، تقرر أساليب نضالها، ردًا على انتهاك حرمة المسجد الأقصى والتهديدات المستمرة على القدس وعروبتها. بعد هذه السنين أصبحنا نعرف كيف نناضل وفي الوقت نفسه أن لا نقع في المطبات التي يحفروها لنا.
ويجب التسجيل، في المقابل أن هنالك عملية سلمية، وبالرغم من الإحباط الذي ينتابنا فيها، فهذه العملية متضافرة مع النضال الشعبي وتجنيد الرأي العام العالمي وصمود أهلنا، هي أفضل ألف مرة، من وضع انتزعت فيه إسرائيل شرعية إجرامية من عالم مضبّب الرؤيا، تمنح الإسرائيليين الحق في اقتناص أرواح الفلسطينيين بدم بارد. وفي حينه حتى بيرس، محامي دفاع شارون ونتنياهو و.. ليبرمان، قال في لحظة صدق مع النفس، إمنحوا الفلسطينيين يومًا بدون جنازات.
وفي الضفة الغربية، حيث بدأنا نشهد نهوضًا اقتصاديًا في صراع أمر من المرير مع  السلطة الإسرائيلية، تسعى هذه السلطة لضرب هذا الانفراج في حياة الناس، لإدراكها  انه هذا الانفراج، حتى ولو كان محدودًا، فهو يعزز من صمود الناس.
يريدون إرجاع أيامهم السعيدة بمنحهم صك مفتوح لقتل من يشاؤون، بدون محاسبة. في حينه كانت "لا" عرفات البطولية هي حجتهم. واليوم لن يسمح الفلسطينيون لإسرائيل أن تقرر شروط لعبهم.
ولذلك النداء الذي يمكن توجيهه للشعب الفلسطيني في هذه الأيام، هو ضرورة التمسك بثوابت هذا الشعب من خلال الحفاظ على هذا البيت. وبيت كهذا، بشعب كهذا، بشجاعة وبمسؤولية، وبنضال جماهيري، قادر على التغلب على أخطائه والانطلاق نحو تحقيق مشروعه الوطني- مشروع كل الأحرار في العالم.
قد يهمّكم أيضا..
featured

داعش.. الهوية.. والجذور!

featured

"نتقاتل مَن يحرس بوابة السجن لإسرائيل"؟!

featured

"وحشية غير مبرّرة"

featured

جوليانو المبني للمعلوم

featured

نحن بحاجة الى مشروع وطني صادق وليس لحكم ذاتي

featured

على " جماهيرية وجمهورية الهلوسة"

featured

كسرى وكابول النموذج

featured

هل من المعقول ان يكون الذئب حملا وديعا وحمامة سلام ؟!