بريشة الفنان الفلسطيني رمزي الطويل
بم يحلم المسرحي؟ أن يموت على خشبة المسرح. بم يحلم المخرج المسرحي؟ أن يؤسس مسرحًا. قيل: أعطني مسرحًا أعطيك أمة. جوليانو مير خميس أعطى جنين وفلسطين مسرحًا يعدّ ويدرب مسرحيين شبانًا. أعطى الأمة مسرحًا وللمسرح أعطى حياته.
كان يحلم. قال لنا حلمه في "مسرح الحرية" في 15 كانون الثاني هذا العام: خطة من ثلاث سنوات لتدريب 30 ألف فتى وفتاة على، جانبي الخط الأخضر، على فنون المسرح كافة، التمثيل والكتابة والتدريب الجسدي والرقص.. وكل ما يتطلبه العمل المسرحي.
الأحلام تخالطها كوابيس، والدراما على خشبة المسرح تخالطها دراما على مسرح الحياة. قال عن حياته: "قلبي أخضر دائمًا" قيل له: أيهودي أم فلسطيني، قال: في صدري يخفق قلبان. قلب جسد وقلب مسرحه "الحرية".. في قلب مخيم جنين، الذي كان قلب التصدي لاجتياح نيسان 2002.
و"نيسان أقسى الشهور" في الشعر العالمي العظيم، وأقساه على المسرحيين والمسرح الفلسطيني. قتلوه في نيسان، قبل أيام من احتفال المخيم ببطولة شبابه اثناء الاجتياح.
"عود أخضر" أورق على خشبة المسرح الفلسطيني العام 2006 اسمه "مسرح الحرية" نبت في أرض "مسرح الحجر" الذي أسسته أمه، ارنا صليبا خميس، وهدمه الغزاة. انحازت أمه، البالماخية القديمة، لرسالة أبيه صليبا مير خميس، الفلسطيني الشيوعي.. وانحاز هو لرسالتهما.
جنين القسام 1963، وجنين شهداء الجيش العراقي 1948، وجنين الانتفاضة 2000، وجنين "مسرح الحرية".. وحلمه أن تكون جنين عاصمة الثقافة الفلسطينية في شمال الضفة، بدءًا من المسرح الذي أرست أساسه أمه أرنا "مسرح الحجر" ابان الانتفاضة الأولى، ووظفت له "جائزة نوبل البديلة".. وحياتها أيضًا.
في فيلم وثائقي باهر عن "أطفال ارنا" تسأل ولدًا: هل تكره اليهود؟ نعم. لماذا؟ اخذوا بيت أبي وأرض جدي. هل تريد مقاتلتهم؟ نعم.. أنا يهودية فاقتلني؟ لا.. أنت معلمتي وأنت امرأة. أولاد الانتفاضة الأولى شباب الانتفاضة الثانية. تسعة من عشرة أولاد في "مسرح الحجر" استشهدوا فيها.. وصنعوا ملحمة "جنين-غراد" وسطروا أحداث فيلم "جنين -جنين" لمحمد بكري.
هو أخرج الفيلم، وأمه والاولاد والمسرح أبطال الفيلم. وهو والاولاد والمسرح أبطال مسرح الحرية. في مسرحية على هذا المسرح الفلسطيني-العالمي ذكرت المطوية جنسيات القائمين بها. لكن، أمام اسمه فراغ، وتحت المطوية ملاحظة: كل من لم تذكر جنسيته هو فلسطيني قطعًا. هذا ابلغ من التصريح: "أنا فلسطيني".
أمه المحاربة الشجاعة لم تخش الموت بالسرطان، وابنها لم يخش تهديدات بالقتل، هجس بها قبل 12 ساعة من مصرعه يحرضون عليّ من فوق منابر الجوامع. قال له مكرم خوري: بكير على هيك مسرحية على مسرح الحرية. مسرحية جسورة للشباب. قال لمكرم: لا يحبونني لأنني صديق الزبيدي (قائد كتائب شهداء الأقصى). كان قد قال عنه: إنه أخي..!
معروف جدًا في اسرائيل، مكروه جدًا من المتطرفين هناك. معروف جدًا في مخيم جنين والمدينة. محبوب جدًا فيهما. معروف قليلاً لعامة الفلسطينيين.. وقتلوه في منتصف المسافة لادراك حلمه: قطعة "أرض" أكبر لمسرح أكبر في جنين بالذات.
تروي فيلتسيا لانغر عذابها، وهي محامية الفلسطينيين التي قال عنها عرفات: أنت اختي. رفض ابنها أن يخدم في الأرض المحتلة، فوضعوه جنديًا- سجانًا على سجناء الحرية الفلسطينيين. هاجرت من اسرائيل.
يروون عن جوليانو أنه كان جنديًا على حاجز، وضرب قائد الحاجز باخمص بندقيته ضربة شالّة، لأنه ضرب وأهان عجوزًا فلسطينيًا. سجن جوليانو حوالي سنتين.
في آخر عمل مسرحي له، مخرجًا لمسرحية "الكراسي" التي افتتحت مهرجان المنارة المسرحي، صعد متأخرًا ونزل سريعًا عن خشبة المسرح. قيل له أن يلقي كلمة. وضع سبابته في فمه وأطلق صوتًا.. وضحك.. كأنه يقول: عملي يتحدث عني!..
القاتل "مجهول"؟ كلا بل "مبني للمجهول" بفعلته النكراء. القتيل مبني اسمًا وفعلاً للمعلوم: شهيد الحركة المسرحية الفلسطينية، وعميد أهم مسرح فلسطيني "مسرح الحرية".
أحسبني عصيّ الدمع؟ كلا.. بكيت ثلاث رجال في فلسطين: قائدي عرفات، وقبله صديقي المغدور خليل الزبن.. وجوليانو مير خميس.
عن الشهيد المجهول يقولون: اسمك مجهول وفعلك خالد، وعن جوليانو نقول: اسم معلوم وفعلك خالد.
* صحافي فلسطيني ("الأيام")
