ماذا يحصل في نظام المملكة العربية السعودية؟

single

المملكة العربيّة السعودية الّتي نعرف أو ما يُسمى بالدولة السعودية الثالثة قد شهدت آخر ايامها وأعلنت زوالها، وحل مكانها دولة سعودية رابعة مختلفة عن سابقاتها.
منذ صعود الملك سلمان بن عبد العزيز الى سدة الحكم في يناير/كانون الثاني 2015 واسم السعودية يتصدر عناوين الصحف والقنوات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي دون توقف وذلك بفضل رؤى وتخطيطات الابن المدلل للملك والحاكم الفعلي في السعودية محمد بن سلمان، الأمير الّذي استطاع كسر كل الأعراف الّتي بُنيت عليها المملكة العربية السعودية. فإن عدنا الى التاريخ، وتحديدًا الى ميثاق الدرعية في العام 1745 نجد أن المملكة الرمليّة قد بُنيت على ركيزتين أساسيتين وهما محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب ونتيجة لهذا التحالف ما بين الشق السعودي الطامح للسلطة وما بين الشق الوهابي الطامح الى نشر دعوته السلفيّة تكونت الدولة السعودية الأولى، واستمر حلف الدم ما بين آل سعود وآل الشيخ الى حين بزوغ نجم محمد بن سلمان.
مع وصول الشق السلماني من العائلة الحاكمة الى مقاليد السلطة، وضع محمد بن سلمان نصب عينيه إعادة تشكيل مبنى المنظومة السياسية في السعودية، وذلك عبر تقليم أظفار السلطة الدينية في السعودية وتقويض سلطة آل الشيخ وفض الحلف التاريخي الّذي جعل القرار السياسي رهينًا للموروث الوهابي والشريعة الإسلاميّة، فبدأ ابن سلمان مواجهته مع الحلقة الأضعف وهيَ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الّتي كانت سيئة الصيت عند قطاعات عديدة من الشعب السعودي، واستطاع ابن سلمان الحد من صلاحياتها شيئًا فشيئًا، وصولًا الى إعادة تشكيل ما يُعرف باسم "هيئة كبار العلماء" وانتهاءً بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة خلافًا للفتاوى السابقة وذلك تمهيدًا لانخراط المرأة السعودية أكثر فأكثر في مرافق الدولة.
بيد أن طريق ابن سلمان لم تكن مُعبدة بالزهور، فقد اضطر في طريقه الى كسر مواريث الحكم في المملكة والانقلاب على ابن عمه ووزير الداخليّة آنذاك محمد بن نايف، وأصبح صراع احفاد عبد العزيز آل سعود ظاهرًا للعيان وبهذا صار محمد بن سلمان وليًا للعهد، ولم يكتفِ بهذا القدر بل أصر ابن سلمان على تصفية ما تبقى من مصادر التهديد لحكمه في ما صار يُعرف بـ " ليلة السكاكين الطويلة" الّتي أعلن من خلالها انتصارًا ثانيًا له على أولاد العمومة، ففي ليلة الرابع من تشرين الثاني أصدر بن سلمان أمرًا باعتقال رئيس الحرس الوطني السعودي متعب بن عبد الله نجل الملك السعودي السابق عبدالله بن عبد العزيز، وبهذا استطاع وزير الدفاع أن يستولي على آخر ما تبقى من ملفات الأمن في الداخل السعودي، وبدلا من توزيع مواقع القوى في أيدي الأمراء المختلفين تم تركيزها في قبضة واحدة، ولم يكتفِ بهذا، بل وصلت حملة الاعتقالات الى أباطرة المال والإعلام في السعودية وعلى رأسهم الملياردير السعودي الوليد بن طلال، وهو الخطر المُحتمل بفضل ثروته الكبيرة والقادر على تعكير مزاج ابن سلمان والوقوف بينه وبين تحقيق رؤيته الاقتصادية لـ 2030 أو توجيه أسلحته في "ام بي سي" و"روتانا" ضده. وانتهت ليلة السكاكين الطويلة باعتقال 11 أميرًا وأكثر من 36 شخصية من الشخصيات المركزية في المملكة السعودية وقد تم تلك كل ذلك عبر توظيف شماعة الفساد لصالح إجراءات ابن سلمان، وبدلًا من اتهام خصومه بالتحضير لانقلاب ضده قام بتوجيه تهم فساد نحوهم حتى يكسب تعاطف الشباب السعودي المحبط والساخط على الأوضاع الاقتصادية القائمة.
والآن وبعد لجم التهديدات العائلية، المالية، الإعلامية والدينية بات تسلم زمام الأمور في السلطة قضية وقتٍ ليس الا، وقد نشهد ذلك في الأسابيع القادمة وربما في الأيام القادمة، ليبدأ الدكتاتور العصريّ بالسعي وراء تحقيق رؤية 2030 الّتي تهدف الى التحرر من النفط وانهاء عهد الدولة الريعية وزيادة الإيرادات غير النفطية والاعتماد على الموارد البشريّة أكثر، حيث أن الشباب السعودي يشكلون أكثر من ثلثي السكان وهم الركيزة الأساسية لنجاح رؤية 2030 الّتي لا سبيل لتحقيقها الا بتقوية القطاع الخاص وخفض البطالة وانخراط النساء أكثر في سوق العمل، هذه بالإضافة الى السعي لبناء مدينة الأحلام "نيوم" الّتي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار، المدينة الّتي ستُبنى في شمال غرب المملكة في المنطقة المجاورة للبحر الأحمر، وستعتمد في فعاليتها على مصادر الطاقة البديلة والّتي ستتفوق في جاذبيتها السياحية على دبي وأبو ظبي وغيرها من الإمارات العربيّة، وقد بدأ الجميع يستشعر بعض التغييرات الجذريّة للانطلاقة الفعلية لرؤية 2030 وذلك بعد خصخصة 5% من أسهم شركة البترول "أرامكو" بالإضافة لإعلان بن سلمان الاتجاه نحو النموذج الإسلامي الوسطي والمعتدل واتخاذ بعض الإجراءات الفعليّة في هذا الصدد.
أما فيما يتعلق بالسياسيات الخارجيّة السعوديّة فكما في السياسات الداخليّة، قرر ابن سلمان القتال على أكثر من جبهة في الوقت ذاته، فمع الصعود السلماني الى الحكم، صوّب الملك ونجله أعينهم الى مكانٍ واحد، الدولة الإيرانية، فبعد أن نصبوا أنفسهم أوصياء على العالم العربي والإسلامي، حان وقت خوض معركة الهيمنة على الشرق الوسط، فبدأت المملكة بجملة من الاستفزازت لتصعيد الصراع مع إيران.
اولا عن طريق خوض السعودية حربًا ضروس على اليمن، تحت مسمى عاصفة الحزم الّتي تسببت بكارثةٍ إنسانية للشعب اليمني الّذي ما زال يكابد اثار هذه الحرب الّتي خلّفت وراءها العديد من الضحايا والنازحين، بالإضافة الى الكوليرا والمجاعات. ولم تتوقف السعودية عند ذلك، بل قامت بإعدام الشيخ الشيعي السعودي نمر النمر والتصعيد أكثر مع حزب الله ووضعه على قائمة الإرهاب لدى مجلس التعاون الخليجي، واخيرًا بإجبار سعد الحريري على الاستقالة من منصبه كرئيس للحكومة اللبنانية لضرب التوافق اللبناني الداخلي وتحميل حزب الله ثمن حالة البلبلة الّتي سيعاني منها لبنان في أعقاب هذه الاستقالة، واخيرًا وليس آخرًا باتهام حزب الله بانه المسؤول عن اطلاق الصاروخ الباليستي من اليمن الّذي وصل تخوم العاصمة السعودية الرياض، وهذا بالتزامن مع عمليات التطبيع مع إسرائيل الّتي لم تعد خافية على أحد.
لم تكن إيران واليمن الدولتين الوحيدتين الّلتين أعلن ولي العهد حربه عليهما، بل ايضًا دولة قطر ما زالت تُعاني من حصار سياسي واقتصادي، ولن ينتهي هذا الحصار الا بإعلان الدولة القطرية خضوعها التام للهيمنة السلمانيّة.
إننا نشهدُ شخصية من طابع مختلف، لم تعهدها السعودية والمنطقة من قبل، طاغية مستبد بغطاء ليبرالي وحداثيّ، مهوّس بالسلطة وبإخضاع كل من يعارضه، وفي ذات الوقت، شخص مؤمن بالتحديث والتنمية، وجميع المؤشرات والدلالات تؤكد على أن الأيام القادمة ستشهد الكثير من الأحداث، وأن فترة محمد بن سلمان بعد أن يتسلم العرش الملكيّ ستكون أكثر فترات المملكة العربية السعودية إثارة للجدل منذ أن أُقيمت.
(مجد الكروم)  

قد يهمّكم أيضا..
featured

لحماية حقوق الأسرى

featured

"سقى الله" ايامك يا جورج دبليو بوش!

featured

المتصنّع لا يمتلك أيديولوجيا

featured

ابتسامات إن لم تُعلِّم..تُعلِّم (2)

featured

ناجي العلي الداموني

featured

- حَب الشباب الشائع – (1-2)

featured

ألحزب الشيوعي أرسى قواعد ثقافة المقاومة في بلادنا!