لدى رسام الكاريكاتير تتحوّل الصورة إلى منصّة رأي.. صيحة تغيير وصرخة مقاوِم.
في إطار كلِّ رسم من رسومه يكتبُ مبدع هذا الفن مقالة بكلمة أو كلمتين.. بجملة أو جملتين.
في تشويهه وجهًا من الوجوه بخطوط الغرابة والقبح، يريدنا ان نبحث معه عن وجه جميل يزرع البسمة والبِشْرَ في حياة البَشَر. في ظاهر صوره نقرأ باطنًا مغايرًا يفرز واقعًا منشودًا يأخذنا نحو الأجمل والأكمل. في إبداعاته يعكس حياتنا الإنسانية المنتهكة ويعطيها لونًا غير لونها ليعيد إليها بريقها وفرادتها.
أكتبُ هذا الكلام بعد حضوري معرض (الرماد الساخن) في قاعة إبداع في كفرياسيف. في تسع وخمسين صورة يُصوّر لنا الفنان الواعد نهاد بقاعي همومنا وآلامنا.. أحلامنا وطموحاتنا الاجتماعية والوطنية.
في معرضه نستعرض عضلات العرب المهترئة وحماسهم الكلامي المتدحرج من أفواه ورؤوس معتمرة لأسفنا قبعة العم سام المغتصِبة زِيَّنا وكوفيتنا الفلسطينية. مع لوحاته نقف عند جموعنا المتناهشة لنشهد مسلسلات من المذابح المتعاظمة بمزيد من النزيف صونًا لثقافة الثأر التي من خلالها نكنس الدم بالدم والحقد بالحقد.
معه نقف واجمين أمام اقتلاعنا الممنهج في العراقيب وغيرها حيث تُغير علينا ثيران العنصرية والسلب والنهب لنبقى غرباء في وطننا! للرصاصة والمدفع حصّة في فن هذا المبدع النسيب الحسيب: نسيبٌ بانتسابه لعائلة كريمة وحسيبٌ بإبداعه وصواب فكره.
في أعراسنا يُلبس نهاد بقاعي العروسين خوذتين من حديد واقٍ لأن المشاركين في الفرح جاءوا بما ملكت أيديهم من رصاص لتحويل باحات الفرح إلى ساحات أسى أو بالأحرى وغى!
في صورة (تهديده العلني) يختصر تهديدات أُمته المسلحة بمدافع الإفطار الرمضانية لمجابهة الأسلحة الإيرانية والانتهاكات الإسرائيلية ساخرًا ومتماهيًا مع كلِّ ما يسفّه فتاوى وتفوهات الظلاميين والوصوليين المعربدين في أكثر من قطر عربي!!
حماكَ الله يا نهاد.. وسلمتْ يداك.. في تجوالي مع صورك كنتُ اقرأ واستمرئ كتابًا ساخرًا من كل أنماط القبح في حياتنا.. كتابًا يُقاوم ويشجب سوءاتنا الاجتماعية والقومية على تنوعها.
لا أحابيك ولا اضلّل القراء إذا ما أسميتك (ناجي العلي الداموني).. معك وفي أمثالك لن تموت ذكرى قرية الدامون ومعها المئات المئات من أخواتها المدمَّرات المهجَّرات الباكيات..
تحية إجلال ومحبة لأهلك ولكل أهل الدامون الأوفياء أينما وجدوا.
إن (الرسم بالكلمات) لدى نزار قباني يتحول إلى (كلمات بالرسم) عند نهاد بقاعي. في معرض (الرماد الساخن) لا ينفخ مبدعنا في رماد، بل يستدعي عنقاء جديدة تنهض من رمادها لتعيد لحياتنا الصفاء والنقاء والبقاء.
في هذه الصباحية أرسل تحية إعزاز وتقدير لجمعية إبداع في كفرياسيف.. لرئيسها وطاقم إدارتها.. هذه الجمعية التي تُثري حياتنا الثقافية والفنية في فعاليات ولقاءات إبداع شهرية.
