إذا كان الحصار والحرب الأخيرة على غزة الأبية والشعب الفلسطيني عامة، محاصرًا حصار الاستسلام للبربرية الصهيونية، فان غزة عصية، والاستسلام ليس في قاموس الشعب الفلسطيني ولا المقاومة. فإسرائيل منذ قيامها عنوة وهي محاصرة ذلك الحصار من النوع الآخر، ليس حصار الجوع ولا حصار الدواء أو الحرية، والتنقل ولا السفر ولا التطور وما شابه، وإنما حصار النفس في عنق الزجاجة، حيث تفصل نفسها عن الإرادة والتعايش وبناء الصداقة والثقافة والانفتاح على الجيران والشعوب المجاورة، ولأنها حاصرت نفسها في عدم القدرة وقلة وانحصار الثقة والاحترام في الشرق الأوسط وفي المجتمع الدولي ككل، فقد أصبحت تعاني ويلات الانحصار والحصار الذاتي في كيفية الخروج من دوامة الانسلاخ عن البيئة الإنسانية.
* 64 عامًا على قيامها وبعد..
إذا نظرنا بصورة خاطفة إلى الوراء نجد ان عمر إسرائيل كدولة ليس بالقليل مقارنة مع غيرها.. هذه الدولة لم تأتِ على أساس أنها يوجد لها/ أو لهم حقوق تاريخية، وإنما نتيجة لإفرازات الحرب الكونية وانسجام الصهيونية مع الامبريالية والاستعمار البريطاني تاريخيًا، وما نتج بعد ذلك من إعادة تقسيم غنائم الحرب بين اللصوص الاستعماريين ومجرورتهم الحركة الصهيونية، وفقا للمصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية الاستراتيجية سواء في الشرق الأوسط أو على الصعيد العالمي، فقد قامت إسرائيل في نهاية الأمر، على أنقاض الشعب الفلسطيني.
فخلال الحقبة الممتدة منذ ولادتها، كيف سلكت وتسلك إسرائيل الرسمية والشعبية، تجاه جيرانها، شعوب المنطقة والعالم، وتجاه الشعب الفلسطيني خاصة؟ أليست هي من تحاصر نفسها. وقد فرضت على الحصار جهنم الموت حين نسجت خطوطه وخيوط ألوانه وأبقت نفسها أسيرة السياسة التوسعية الكولونيالية القائمة على الحرب والاحتلال والعربدة وشرعنة الباطل والهمجية. هذا بدل الاندماج في المحيط البشري والاقتصادي والسياسي والتطور المتعدد الجوانب مع الجار والجيران عامة. لقد كونت إسرائيل لنفسها ثقافة القوة والتعالي والتسلط من منطلق التوسع، حين حاصرت نفسها وجعلت من منطلق القوة لغة للتخاطب من الأعلى. هكذا تخاطب الشعب الفلسطيني وقيادته حكومة وشعبًا وكذلك تجاه إيران وكل الشعوب والحكومات السورية واللبنانية، وهي تتعامل مع حركة حماس تارة بالقوة والعصا وأخرى بالجزرة والتفاهم وكذلك مع حزب الله وكل أنواع المقاومة على امتداد الوطن العربي.
* إسرائيل هي من تحاصر نفسها
عندما ترفض إسرائيل الرسمية والشعبية، ان تندمج في خيال شعوب الشرق الأوسط فهي مصرة على ان تكون جزءًا من العالم الغربي الرأسمالي. فالمنطق الجغرافي يرفض منطقها وجغرافيتها السياسية وطبيعتها لا تناسب الشرق والمحيط العربي الذي هي تعيش عليه وليس في داخله. فهي تفرض على نفسها العزلة الأخلاقية والثقافية والرياضية والمعيشية والاقتصادية والسياسية وكل أنواع العلاقات المتداولة والطبيعية بين الأمم والشعوب، وإذ كانت تسعى لأي نوع من العلاقات فهي تطمح بعلاقات غير متكافئة، علاقات الراكب على المركوب وهذا النوع من العلاقات ترفضه شعوب المنطقة التي تسعى إلى علاقات صداقة وحُسن الجوار مبنية على التطور والاحترام والتقدم لما فيه مصلحة الجميع.
من الصعب ان تقيم الصهيونية ممثلة بحكام إسرائيل علاقات مع شعوب المنطقة، لأنها حكمت على نفسها بان تكون النقيض لتطلعات وأماني وحرية الشعوب القاطنة في هذا الشرق الذي يرفض إقامة العلاقة مع إسرائيل طالما تمارس شتى أنواع القهر والظلم والإذلال والاضطهاد، وتسعى يوميًا إلى التوسع والاحتلال وبناء المستوطنات على حساب تطلعات وأماني شعوب المنطقة وحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.
كم هو عدد الدول وخاصة العربية منها التي تقيم علاقات دبلوماسية وعامة مع حكام إسرائيل؟ ففي العالم العربي لا يوجد مثل هذه العلاقات سوى مع الأردن ومصر، وهذه العلاقات يشوبها أحيانا كثير من التوتر والفتور، وهي بالأصل علاقات باردة جدًا لا تتعدى البروتوكول الدبلوماسي مع بعض التعاون السياسي والتجاري بين حكومتين لا بين شعبين جارين متكافئين، وهذه العلاقة معرضة للمد والجزر والقطع في كل لحظة. وهناك بعض العلاقات المشبوهة وغير المباشرة بين أنظمة خليجية وحكام إسرائيل وهذه العلاقة على الغالب جاءت نتيجة لضغوط غربية وأمريكية بالذات تهدف لفك أو لتخفيف العزلة على حكام بلادنا، بهدف فتح ثغرة في الجدار العربي الرسمي والشعبي الرافض للتعاون طالما إسرائيل تمارس العدوان والاحتلال والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني.
هل تدخل تصريحات وخطابات وتفوهات العنصري المأفون ليبرمان تجاه عدد من الزعماء العرب والدول العربية، الا من باب الوقاحة السياسية ومنطلق القوة والتعالي على أساس الشوفينية الصهيونية التي لا مكان لها بين شعوب المنطقة وفي الشرق الأوسط عامة، فإسرائيل الرسمية والشعبية أصبحت محاصرة وشائكة وأسيرة للفكر الصهيوني ولليمين المتطرف والذي يمثله الفاشي ليبرمان وأمثاله.
* إسرائيل سيئة السمعة ولكن..
إن مسلك حكومات إسرائيل المتعاقبة خلال 64 عامًا، في التنكر للحقوق الفلسطينية خاصة والعربية عامة، ومحاولات إجهاض الحق الفلسطيني وتغييبه كاملا عن الساحة السياسية والوطنية وفي إنكار هذا الحق، لم يكن بهدف الدفاع عن قيام وولادة الكيان الإسرائيلي "الفتيِّ" في المحيط العربي، وإنما يراد منه التغلغل أكثر في قلب الشعوب العربية كمحاولة لتفسيخ الوحدة السياسية والاجتماعية والدينية والمذهبية بين أبناء الشعب الواحد، بل الشعوب العربية عامة. هكذا تعاملت مع الشعب السوداني في الجنوب والشمال. وأيضًا مع الشعب اللبناني بكل أطيافه السياسية والدينية. وهي تتعامل بنفس الأسلوب مع العرب الفلسطينيين مواطني الدولة. وهذا يجري على أساس تفتيت الوحدة، لان الوحدة خطر حقيقي على سياستها المبنية على أساس فرق تسد، من اجل تسهيل الافتراس والسلب والنهب لخيرات هذه الدول والشعوب وجعلها في دائرة التبعية في حراسة المصالح السياسية والمالية والاقتصادية للغرب الامبريالي، في الوقت الذي تكون فيه إسرائيل أسيرة للفكر الصهيوني والقوة الضاربة للامبريالية العالمية والأمريكية بالذات.
إن حكومة اليمين في ظل حكم نتنياهو براك وليبرمان والذي يقف على رأس الخارجية والدبلوماسية الإسرائيلية اليوم، ونتيجة لعنصريته وتشدده وتنكره لمتطلبات المرحلة الراهنة من "عملية السلام المجمدة"، في إلقاء اللوم على الجانب الفلسطيني والرئيس عباس بالذات وتهديده بتدمير السلطة الفلسطينية، إذا ذهبت القيادة إلى الأمم المتحدة لرفع التمثيل الفلسطيني إلى مستوى دولة غير عضو في الأمم المتحدة، ضمن حدود سنة 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فإسرائيل أصبحت دولة سيئة السمعة عالميًا، وفي المنظمات والمؤسسات والمحافل الدولية، بسبب ضخامة الضرر الذي يجلبه أمثال ليبرمان ونتنياهو وحكومة اليمين عامة في معالجة قضايا عديدة مثل إنقاذ عملية السلام ومبدأ الدولتين ووقف الاستيطان وإجهاض الحق الفلسطيني في الأمم المتحدة والمحافل الدولية وغيرها. اننا ندرك عدد الدول في العالم اجمع التي تعترف بالحق الفلسطيني وتسانده على ارض الواقع، وندرك كم عدد الدول المستقلة التي تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية. وندرك تمامًا عدد الدول التي تعاني من عدوانية وجشع حكام إسرائيل وغير معنية ببناء علاقات معها، وندرك عدد الدول في محيط الشرق الأوسط التي ترى في إسرائيل وسياستها العدوانية، بأنها مصدر القلق والحرب والعدوان، وانها سبب المآسي والويلات والجوع والاضطهاد ومصدر إزعاج لكثير من الدول إلى جانب كونها مصدرًا لعدم الثقة والاحترام، ترى هذه الدول من المستحسن الابتعاد عنها، لان إسرائيل نظام لا يرى ولا يروق لها ان ترى دولا في الشرق الأوسط والعالم، تعيش في جو من المحبة والوئام والعدالة والسلام. فهي تنمو وتعيش وتكبر على هدم وتدمير الآخرين.
قلنا في مقالات سابقة، ان الشعب الإسرائيلي واليهودي عامة، هو أسير وتحصيل حاصل للفكر الصهيوني وللعقلية الإسرائيلية المبنية على التوسع والعدوان وإنكار حقوق الآخرين، هذا الفكر اعتقد انه في مرحلة الانحصار والتراجع، وإسرائيل الرسمية العدوانية والقائمة على التوسع على حساب الشعوب المجاورة، قد وصلت إلى ما وصلت إليه، ومن الطبيعي ان هذه السياسة في نهاية الأمر لا تخدم جماهير الشعب في إسرائيل. وإسرائيل الرسمية غير قادرة على حماية الشعب مما هو قادم وآت لا محالة. فالمؤشر يدل ان لا نية لدى السياسيين في إسرائيل بالتخلي عن صهيونيتهم وأطماعهم التوسعية، ولا الشعوب العربية بالرغم من طبيعة حكامها، غير معنية بقبول إسرائيل كما هي اليوم، بل ازدادت قناعة بالتصدي للسياسة الصهيونية في جعلها أسيرة ومحاصرة ضمن الفكر الصهيوني الذي هو محاصر من الفئات والطبقات الأكثر شعبية ولا يمثل الا قلة من الأثرياء والرأسماليين.
(كويكات/أبو سنان)
