بعد الانتخابات الإسرائيلية

single

الفلسطينيون بحاجة لنهج المفاوضات المقترن بأشكال المقاومة المشروعة المتاحة كلّها

 

 

تُقرأُ نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة بإمعان شديد على الجانب الفلسطيني، كما هو الحال على كلّ جانب آخر، إسرائيلي أو إقليمي أو عالمي. القراءة الفلسطينية الرسمية أفضت إلى استخلاصات عبّر عنها المتحدثون الرسميون باسم منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، وصارت معروفة. والقراءة الفصائلية عبّر عنها المتحدثون باسم فصائل م.ت.ف. وفصائل حركة المقاومة الإسلامية وصارت هي الأخرى معروفة، بما فيها مما هو مشترك وما هو مختلف.
المعلن من الاستخلاصات الرسمية، هذه، يتّسم بالاقتضاب كما يتسم بالالتواء الذي يعكس مراعاة الجميع لدقة الظرف الراهن، أي الحاجة إلى التروي في إظهار النوايا التي لم تتم بلورتُها بكاملها.
القراءات الأكثر شفافية هي هذه التي تجري دون اعتبارٍ للقيود التي تُبلبل ألسنة المتحدثين الرسميين، وهي القراءات التي تَظهر في مقالات الكتّاب الصحافيين، وفي الندوات العامة المفتوحة والأخرى الضيقة، وفي مداولات المجالس، وبضمنها المجالس الخاصة التي يحضرها الرسميون أنفسهم.
في النوع الشفاف من القراءات يوجد ما هو متَّفق عليه بين الجميع وما هو مختَلف عليه أيضاً. والمتفق عليه يتصل بما أظهرته نتائج الانتخابات عياناً. فهذه النتائج أظهرت إطِّراد انزياح القوى السياسية الإسرائيلية، الصهيونية وما في حكمها، نحو مزيد من التشدّد إزاء مطاليب الجانب الفلسطيني الوطنية، واستمرار المتشدّدين الإسرائيليين في سدّ الطرق أمام قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
والواقع، كما يتجلى لمن أشتركُ وإياهم في الرأي، أن الغالبية العظمى من المنتخَبين للكنيست ظلت، كما كانت في السابق، موزعة على كتلتين لا ثالث لهما حين يتعلق الأمر بالموقف من حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية: الكتلة التي تُظهر اعتزامها الاستمرار في قضم الأرض الفلسطينية كما كان عليه الأمر منذ نشأت الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر وبنت أول مستعمرة/مستوطنة في أرض فلسطين، والاستمرار في التوسع الممنهج، كما ظل عليه الأمر منذ أُنشئت إسرائيل. والكتلة الأخرى المخاتلة، هذه التي تدّعى الرغبة في استئناف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني وتعتزم مواصلة التسويف الذي بدأ منذ بدأت هذه المفاوضات في مدريد في العام 1991. وهي الكتلة التي تُضمر اعتزامها التوصل إلى ما تعتزم الكتلة الأولى التوصل إليه: سدّ الطرق أمام حل الدولتين لشعبين، واستمرار التوسع في أرض فلسطين، وفي غير فلسطين إن أمكن.
هذا يعني أن القوى السياسية الصهيونية الإسرائيلية، بأغلبيتها الكاسحة، خصوصاً الأغلبية التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة، مصممة على الظفر بما تسميه أرض- إسرائيل الكاملة وإبقاء الباب مفتوحاً لمزيد من التوسع في المستقبل حتى في غيرها.
كلُّ من الكتلتين، الوقحة منهما والمخاتلة، يُهيء للمصير الفلسطيني ما يُبقي المناطق المأهولة في الضفة جيوباً متفرقة داخل مناطقٍ السيادةُ فيها لإسرائيل. على أن يتم هذا في نحو يعفي إسرائيل من المسؤوليات التي يضعها القانون الدولي على عاتق دولة الاحتلال، وعلى أن لا يكون لأي من هذه الجيوب صلة جغرافية بالمحيط العربي.
دعاة أرض-إسرائيل الكاملة آخذون في الازدياد على الجانب اليهودي الإسرائيلي حتى وهم في تناقصٍ على الجانب اليهودي في دول العالم الأخرى. أما المخلصون من الصهيونيين لحل الدولتين لشعبين، فقد أظهرت الانتخابات الأخيرة أنهم تقلّصوا في إسرائيل، فصاروا أقلية غير قادرة على ممارسة أي تأثير ذي مغزى على سياسات الحكومات الإسرائيلية.
بين ناس القراءات الفلسطينية الشفافة تتفاوت درجات رؤية المستقبل وتعرجاته بما يتفق مع اختلاف زوايا النظر. فهناك من يرون ضرورة تبديل منهج التعامل مع إسرائيل جذرياً. ومن هؤلاء من يدعون إلى العودة لاستخدام السلاح، وهم أقلية قليلة بين من أيدوا نهج المفاوضات ونبذ العنف. أما بين من ظلوا على الكفاح المسلح حتى أطفأه أوسلو واتفاقات التهدئة، فإن الداعين منهم إلى العودة للسلاح يُشكلون أقلية ليست قليلة.
وهناك من يتشبثون بالدعوة إلى حل سياسي تكون قرارات الشرعية الدولية مرجعاً له. هؤلاء يرون الحاجة إلى الاستمرار في هذه الدعوة، حتى لو سَدّت إسرائيل الطريق أمام تحقق هذا الحل؛ إنهم يعلون شأن الحاجة إلى متابعة الارتقاء بالفكر والممارسة السياسيين الفلسطينيين لإتمام المواءمة بين مطاليب الشعب الفلسطيني وبين روح العصر، والدفع باتجاه كشف سوءات السلوك الإسرائيلي التوسعي وإحكام عزلة إسرائيل، وتوسيع ساحات الاحتجاج على سياستها تجاه شعب فلسطين. إنه الأمل في أن تُستكمل عملية إحلال إسرائيل في الخانة المنبوذة التي انحدر إليها نظام جنوب أفريقيا العنصري قبل سقوطه.
الجديد في الأمر أن المتشبثين بالاستمرار في عصرنة الفكر والسلوك الفلسطينيين قد صاروا، أكثر مما كانوا من قبل، أقوى رغبة في استنهاض أشكال المقاومة التي تتفق مع الدعوة إلى العصْرنة، المقاومة التي يسمونها المقاومة الشعبية السلمية. ومن هؤلاء من صاروا يدْعون إلى إبقاء الطريق مفتوحاً أمام اللجوء إلى ما يجيزه القانون الدولي من أشكال المقاومة الأخرى.
خلاصة القول: هناك إجماع فلسطيني على أمرين: إسرائيل لن ترضخ في الوضع القائم الآن للضغوط المتوفرة التي تطالبها بتحقيق حل الدولتين، ولن تكف عن الإتكاء على قوّتها العسكرية والإفراط في استخدام هذه القوة كلما احتاجت إلى ذلك. والفلسطينيون بحاجة إلى الانتقال من نهج المفاوضات المفتقرة إلى ما يوجع إسرائيل إلى نهج المفاوضات المقترن بأشكال المقاومة المشروعة المتاحة كلّها.
ومما لا شك فيه أن الحاجة إلى هذا الانتقال سوف تفعل فعلها في صياغة قرارات الساحة الفلسطينية جميعها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

قادرون معًا على هزم الفاشية والعنصرية

featured

ألوحدة شرط للقيادة

featured

لإلغاء القرار العنصري بالملاحقة السياسية !

featured

يوم الأرض بين الذكرى والذاكرة!

featured

أيام فلسطينية تقبع في الذاكرة

featured

من هم شركاؤنا في النضال ضد 50 سنة من الاحتلال؟

featured

دفاعا عن العاملين والمظلومين اجتماعيا: الجبهة عنوان النضال

featured

الطفولة محك اختبار وامتحان...!