حينما يشغلك شيء ما وتريد التعبير عن ذاتك تجاه هذا الشاغل وفي نفس الوقت أنت لست كاتبا محترفا ولا تمتلك اللغة وقواعدها التي من خلالها توصل رأيك وما يشغلك إلى القراء بشكل جيد، تعطي نفسك مساحة من الزمن، مساحة من" التردد" إن جاز التعبير. وعلى طول هذه المساحة هناك ما يضغط عليك دائما وهو الرغبة في التعبير عن الذات. ولاعتزازك بذاتك من خلال التعبير عنها تصدر أخيرا قرارك بالكتابة. ومثلما شغلني دائما موضوع الوحدة الفلسطينية كاتباً عنه بعض المقالات المتواضعة في السابق يقلقني اليوم دور القيادة الفلسطينية من هذه الوحدة. ولحساسية وخطورة الموقف والموقف منه دائما كنت متخوفا من مناقشة دور هذه القيادة وهنا اعني دور "السلطة" الفلسطينية برئاسة "محمود عباس". ورأيت أن أكتب عن هذا الموضوع الهام جدا رغم إدراكي أن هناك العديد من الأقلام والتي تعلم ببواطن الأمور أكثر مني والمختصة بهذا الشكل من الأبحاث. لكني أكتب كأحد" المرهقين" من هذه القيادة.
لست مع طرح حماس لا في القضايا السياسية ولا في القضايا الاجتماعية ولا أميل إلى التطرف والحلول المتطرفة بشكل عام، وعندما قامت حماس بانقلابها الغبي وغير المسئول في غزة رأيت بهذا اعترافا عمليا كونها حركة غير وطنية خلافا لما تدعي. وبأن هذا الانقلاب محاولة لهدم المشروع الوطني الفلسطيني والذي بناه شعبنا على امتداد عشرات السنين. وهناك الكثير من الأعمال المماثلة التي قامت بها حماس والتي هي ليست موضوع بحثنا آلان. لكن تطرف قيادة حماس قد أعطى الكثير من المبررات للاحتلال وأضر بالمشروع الوطني. لكن موضوع البحث هو" السلطة" الفلسطينية وصلاحيتها لقيادة عملية بناء المشروع الوطني الفلسطيني .
إن صلاحية أي قيادة نابعة من كيفية تصرف هذه القيادة تجاه أي مشروع تتبناه فما بالك بمشروع وطني"وسلطة وطنية". إن السلطة ورموزها بقيادة محمود عباس مرتبطة ارتباطا اقتصاديا وثيقا مع الاحتلال ونتيجة لذلك لا يمكنها أن تكون مستقلة استقلالاً سياسيا كاملا وعليه قامت بما قامت به من مفاجأة تاريخية فريدة من نوعها سوءا. مفاجأة تأجيل جلسة مجلس حقوق الإنسان والتي كانت ستبحث جرائم إسرائيل في حربها الأخيرة على غزة. سابقة تاريخية "لسلطة وطنية" ستجعل مفاوضها ضعيفا أمام المفاوض الإسرائيلي وقرارها السياسي قرارا تابعا للقرار الأمريكي الإسرائيلي إذا لم تعمل على إنجاز الوحدة الفلسطينية بكل صدق وبسرعة. إن هذه السلطة هي التي وافقت على أن يكون التفاوض مع إسرائيل ليس وفقا لقرارات الشرعية الدولية. وعلى عدم استعمال بعض التعابير مثل تعبير" الأراضي المحتلة". إن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تعودتا على التنازلات الفلسطينية وقد عوّدتهم هذه السلطة على ذلك. إن الكثيرين من رموز هذه السلطة قد بنوا لأنفسهم مشاريع اقتصادية خاصة بهم وملكا لهم وبدعم أمريكي إسرائيلي مبرمج ومدروس مما جعلهم غير قادرين على الإخلاص في قيادة عملية بناء المشروع الوطني الفلسطيني.
إن الشعب الفلسطيني بعد أن كان يناضل ويطالب وحسب قرارات الشرعية الدولية بحقوقه المشروعة بإقامة دولته المستقلة وقلع الاستيطان من اراضيه باتت هذه السلطة خجولةً في مطالبها وبعد ثمانية عشر عاما من التفاوض تطالب هذه السلطة بتجميد الاستيطان وكأن تجميده قمة المطالب الوطنية. إن سياسة التنازل جعلت هذه السلطة مثل حماس تساهم في وضع العراقيل أمام المشروع الوطني الفلسطيني مما يجعلها عائقا أمام تنفيذ هذا المشروع .
إن على السلطة الاقتناع والاعتراف بأن إسرائيل والولايات المتحدة هما أعداء الشعب الفلسطيني ومصادرو حقه بحرمانه من تقرير مصيره بإقامة دولته. وعليها أيضا مكاشفته بذلك ولأجل ذلك عليها ايجاد بدائل مالية للغرب لأن المال الغربي يستعمل كوسيلة ضغط ضدها لأجل حرفها عن الثوابت الفلسطينية وهذا ما كان حتى الآن. لأنه لم يكن عبر التاريخ بأن زال احتلال دون مقاومة وفي حالة الشعب الفلسطيني هي المقاومة الشعبية التي تصلح كخيار لتحقيق الهدف الوطني.
إن على " السلطة" الخروج من تحت المظلة الأمريكية الإسرائيلية وعلى حماس الخروج من تحت أي مظلة سواء كانت إيرانية أو غيرها وعلى جميع الفصائل الخروج من تحت أي مظلة كانت والتجمع تحت المظلة الفلسطينية مظلة وحدة الشعب الفلسطيني ومصلحته والتخلص من معاناة " مرض" إقصاء الآخر الفلسطيني النابعة من التبعية للآخر غير الفلسطيني. إنّ وحدة الفصائل الفلسطينية إستراتيجية لا يمكن تحقيق أي هدف وطني بدونها وإذا لم تحقق قيادات هذه الفصائل وحدتها على قرار سياسي موحد يخدم الهدف الوطني فعلى كوادر هذه الفصائل استنتاج العبر من ذلك.
(كابول)
