"هذا الموجود"، فما العمل؟

single

لقد خسرنا المعركة!
لنبدأ بتوصيف صورة الصراع. في طرف واحد نحن: كلّ من لا يزال يحاول العمل معًا بغية تشكيل واقع جديد ملائم لحياة البشر: حياة المساواة، حيث تتوافر لكل واحد إمكانية المطالبة بالحقوق الممنوحة للآخرين والحصول عليها. حياة يعتبر فيها استغلال الإنسان للإنسان كأمر سلبي، وحيث بالإمكان العمل والنجاح بتصحيح الوضع. وبالمفهوم السياسي، نحن نتحدث عن الاشتراكية، عن دولة جميع مواطنيها، وعن إنهاء الاحتلال، وإنهاء السيطرة على قطاع غزها ومحاصرتها، وعن حقوق العمال ونقاباتهم. وباختصار: مجتمع كرامة الإنسان فيه هي فوق كل شيء.
في الطرف الثاني للصراع، أولئك المعنيون بدولة إثنية دينية. وبنظرهم فهم ليسوا أشخاص سيئين. فهم يعتقدون أن السيرورات التاريخية أتاحت إقامة دولة لليهود، والخطوة القادمة المطلوبة الآن هي بناء الدولة اليهودية؛ دولة تُعتبر فيها مصالحهم كيهود، ووفق فهمهم هم، فوق كل المصالح الإنسانية والاقتصادية. وأن التشريعات القانونية في السنوات الأخيرة ترمي إلى مأسسة تلك السيرورات التي بدأت قبل العام 1948، والتي ما زالت مستمرة وبقوة أكثر على مدار سنوات قيام دولة إسرائيل.
التضامن، وَفق كارل ماركس، هو نقيض المجتمع الذي يؤمن بأن الامتيازات هي من حق مجموعة إثنية دينية واحدة فقط. وهذا التضامن هو أيضًا نقيض الرأسمالية المتوحشة. لذلك، فإن الشركاء الطبيعيون للقوميين المتدينين هم أولئك المؤيدون للرأسمالية المتوحشة. إنه تحالف متين جدًا: فهو يملك المال ووسائل الإعلام، أي الأدوات الضرورية لتنشئة الجماهير في أحضان الفاشية.
بعد الحرب العالمية الثانية تخيلنا أن العالم الغربي قد تعلم العبرة من سيرورات فشستة النظام والمجتمع، لذلك ساد لدينا، حتى الفترة الأخيرة، الشعور أنه رغم السيرورات المتسارعة لتفكيك الديمقراطية والتعددية داخل إسرائيل، فثمّة شركاء مهمين لنا في الخارج، والذين سيحولون دون تطرف هذه السيرورات في إسرائيل. لكن العالم الغربي سمح بمراكمة المال بأيدي قلقة قليلة، وسادت هناك الرأسمالية المتوحشة، الإثنية الدينية والقومية العنصرية، وتشكلت هناك تحالفات متماسكة وقوية على هذه الأسس، فحتى من كان إلى جانبنا، أو حتى محايدًا، قد انتقل إلى الطرف الآخر.
نعم، لقد خسرنا المعركة! ولكن كيف ستبدو هذه الخسارة؟
استمرار تعاظم قوة أقطاب رؤوس الأموال بمساعدة قوانين مثل قانون الفساد. استمرار استغلال العمال. هدم العمل المنظم. انعدام الاستقرار الاقتصادي. تفاقم الفقر، وخاصة لدى كبار السن والمُعطلين عن العمل والنساء المعيلات الوحيدات والمعوقين. اتساع فجوات الحقوق بين الأقلية العربية والأغلبية اليهودية، وقانون القومية اليهودية على سبيل المثال. استمرار هدم قرى عربية من أجل إقامة بلدات يهودية مكانها. المزيد من رجالات الشرطة يقتلون المزيد من المواطنين العرب، وتمر عمليات القتل بدون مشاكل وبدون تقديم لوائح اتهام ضد الجناة، أو ضد أمثال شاي درومي المستقبليين. إخراس الحيّز الديمقراطي، فهم يخططون هذا الأسبوع لإغلاق "ملتقى" منتدى التعايش في النقب، لأنهم تجرأوا على انتقاد سياسات الحكومة. ترهيب أشخاص مثلي، عبر التهديد بلقمة العيش في حالة انتقاد سياسات الدولة، أو اختلاق قضية تشهير والمطالبة بتعويضات مالية (كما حصل لي مع جمعيّة رچ?يم)، لأننا انتقدنا العنصرية والعنصريين. أو حتى الاعتقال والسجن مثلما يحدث من الشيخ صياح الطوري لأنه تواجد في قريته التي تتدعي الدولة أنها ليست قريته. وقريبًا سيتم اعتقال كل من يتضامن مع عهد التميمي.
وسيتسمر فرض الحصار على مليونيين فلسطيني في قطاع غزة وقطع الكهرباء عنهم، وإسرائيل سوف تتحول إلى دولة ابرتايد بشكل رسمي والعالم سيصرح شيئا ما بتلعثم ويستمر بدعم القوي.

**
نعم خسرنا المعركة، ولكننا سننتصر في الحرب.الحرب على الحرية، حرية التفكير، وحرية المعتقد، والحرية أن نكون إنسانيين.
فرضوا السجن الفعلي على شيخ العراقيب لكسر روحه النضالية فلم ينالوا منه ومن صموده. والدولة تحاول بكل الوسائل الفصل بين اليهود والعرب ولكننا مستمرون في النضال معًا.
فطالما نناضل وفق مبادئنا، مبادئ الحزب والجبهة: التضامن والحرية وكرامة الإنسان، لن ينتصر اليمين. وطالما لا نخضع للخوف ولا نسكت، فنحن المنتصرون. علينا أن نتعلم التعاون مع كل من يسعى إلى المستقبل الذي نتطلع نحن إليه. فالنصر آت وإن طال الانتظار.
في الماضي كنت أثور لدى سماعي أصدقائي من قرى النقب بعد كل مرة تهدم فيها الدولة بيوتهم يقولون: "هذا الموجود، شو نعمل؟". والآن فهمت. وبالفعل "هذا الموجود" وهذه هي حياتنا. لكننا لن نرد بأسلوبهم ولن ننتقص من انسانيتنا. نعم سنواصل النضال بدون خوف ولن نسمح لهم بترهيبنا واسكاتنا.
وكما قال غاندي: "على مر التاريخ كان هناك طغاة وقتلة يبدو أنهم لا يقهرون، ولكن في النهاية يسقطون كلهم".

قد يهمّكم أيضا..
featured

"حرب على الإرهاب" لذر الرماد في عيون الشعوب (1-2)

featured

انتخابات بدون صراعات

featured

إضراب على التساهيل

featured

ما زالوا يبكون

featured

واجب الساعة التصدي للعنف

featured

وجهان لعملة واحدة

featured

عبودية هنا والان... جريمة!!