حقا انها مناسبة ملهمة للحديث عن مائة عام وعن "عشرة أيام هزّت العالم" لجون ريد. مناسبة لتعداد المناقب من الايجابيات السلبيات، طبعا وفق "من المتكلم"، مناسبة حقيقية للوقوف ولو للحظة لما جرى في ذلك العام 1917. حدث احتفلت به وفيه جميع المحافل والمواقع والمواضع الاشتراكية وشبه الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي العظيم (هكذا جرت العادة). حينها وفي السابع من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني وفق التقويم الغريغورياني في كل عام رُفعت النخوب واشرأبت الاعناق ورُفعت الايادي مع كأس من الفودكا الروسية. مناسبة احتفلت بها جميع الاحزاب السائرة والمهتدية بالماركسية -اللينينية أو فقط بالماركسية ومن ضمنها ما سمّي آنذاك بالشيوعية الاوروبية وحتى الماوية والتروتسكية.
نعم انه حدث هام في تاريخ البشرية ولا يمكن التغاضي عنه كما تغاضت الانتلجنتسيا الرأسمالية في حينه عندما أصدر كارل ماركس مؤلفه الفذ "رأس المال".
الى جانب هذه الهالة ومع كل ما كتب عن ثورة اكتوبر الاشتراكية سواء من السوفييت او غيرهم أود ان انتقل الى بعض من الجوانب الفلسفية لهذه الثورة.
لقد طرحت الفلسفة الماركسية موضوع الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي الذي عولج وحُلل في الحيّز المادي الديالكتيكي مرة وفي الحيز المادي التاريخي تارة أخرى. وفي المحصل العام فقد غلب الطرح المادي الديالكتيكي على التاريخي، لان الاخير ارتكز على منهجية الديالكتيك المادي. فالمادية التاريخية ما هي الا التحليل الديالكتيكي للتاريخ وتطور المجتمع. ففي سياق مداخلات ماركس وانجلز في ما يخص الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي والعلاقة الجدلية بينهما أكدا على أولوية الوجود الاجتماعي الذي يشمل علاقات الانتاج والبنية الفوقية للمجتمع في جميع مراحله من المشاعية وحتى الشيوعية. ولكن للأسف لم ينتبه معظم الماركسيين أو أنهم لم يولوا اهتماما خاصا بما جرى التأكيد عليه بين الماركسييْن (ماركس وانجلز) على العلاقة الجدلية بين الوجود والوعي. فالغفوة كانت بأنه رغم أولوية وأفضلية وأسبقية الوجود عن الوعي الاجتماعي توجد استقلالية نسبية للوعي الاجتماعي. هذه الغفلة سواء كانت مقصودة او غير مقصودة أثرت سلبيا على مستقبل مجمل الحركة الاشتراكية العالمية وأدت الى ما وصلنا اليه من انهيارات.
وفق الماركسية فان الوجود الاجتماعي في روسيا القيصرية ما كان لينتج ذلك الوعي المتقدم عنه. فحتى في أحلام ماركس وانجلز لم ترد ولو للحظة إمكانية الثورة الاجتماعية - الاشتراكية في روسيا التي وصفها لينين ذاته بالمتوحشة حين كان يقارنها بـ "روسيا المتوحشة واوروبا المتحضرة" (أحيانا للاحتقار واحيانا للاستهزاء!). زد على ذلك بان ما توخاه ماركس وانجلز هو حدوث الثورة الاشتراكية في دول عالية التطور وفي آن واحد، حيث كانت الأنظار تميل الى ألمانيا وبريطانيا وفرنسا.
إذًا ما معنى الاستقلالية النسبية للوعي الاجتماعي عن الوجود الاجتماعي؟، ليس من السهل الاجابة في مقال صحفي، حيث يستدعي الامر بحثا علميا أكاديميا عميقا. ومع ذلك يمكن القول وفي مثلنا "ثورة البلاشفة" فان الوعي الاجتماعي كان العامل الذاتي الذي لم يعكس تماما علاقات الانتاج شبه الرأسمالية وشبه الاقطاعية، فهذا الوجود وهذه التشكيلة الاقتصادية - الاجتماعية كانت ستنتج وبالضرورة وعيا مناسبا لا يتجاوز حدود الرقيّ في العادات والتقاليد الثورية لتحسين الوضع القائم. فمجرد وجود هذه النسبية الاستقلالية وبطبيعة العامل الذاتي المثقف من البلاشفة ادى الى الدخول الى هذه الحالة من تناقض الوعي الاجتماعي مع الوجود الاجتماعي تناقضا ليس تناحريا والى استباقه بشكل مثير للدهشة. ويمكن القول هنا بان قوانين الديالكتيك الثلاثة ومقولاتها عملت بشكل استثنائي وبتواصل تام اذا ما نظرنا اليها نظرة جدلية متماسكة وليس بشكل ميكانيكي. فآلية قانون التراكمات الكمية وتحولها الى نوعية وبالعكس (وهنا أُهملت ايضا " وبالعكس") عملت بشكل يتلاءم مع آلية فعل قانون التناقضات ومن ثم الى "نفي النفي". فالتناقضات وصفت الحالة التي كانت قابعة بها الطبقة العاملة الروسية والفلاحون وتحول التراكمات الكمية من الاوضاع المزرية الى نوعية (الوعي البلشفي) تلازمت مع آلية التحول (وجود العامل الذاتي – البلاشفة). أما قانون نفي النفي فقدم لنا النتيجة – ثورة اكتوبر واحداث ثورة في مفهوم علاقات الانتاج ومن ثم الوعي. وللاختصار فمن الممكن وصف الوضع الحالة - الآلية - النتيجة.
لقد أغفل البلاشفة في تحليلهم الفلسفي تلك الاستقلالية النسبية مما ادى الأمر الى التطبيق الميكانيكي ومن ثم النظر الى المجتمع نظرة عمومية كولكتيفية محضة، لم يكن للفرد فيها أي حساب ولم يأخذوا في الحسبان ان الانسان الفرد له من الصفات الكثيرة من الحب والكراهية، الانانية والعطاء، النزوات والرغبات الفردية وغيره. كل ذلك نتج عن التفكير الساذج للبلاشفة حين أرادوا وبحق بناء الجنة على الارض ظانين مرة أخرى ان الوجود الاجتماعي الذي وصلوا اليه بالضرورة وحتما سيخلق وعيا اجتماعيا مناسبا غافلين ان الوعي الاجتماعي يتخلف احيانا رغم استقلاليته عن الوجود الاجتماعي. نسبية استقلال الوعي هي سلاح ذو حديّن – مرة في استباق الوجود، البناء التحتي ( العامل الذاتي ) ومرة في التخلف عنه ( البناء الفوقي - بقايا ورواسب النظام القديم من الافكار والعادات وفردوية الانسان- الذات).
اعتقد بان البلاشفة وفي غمرة رغبتهم للتغيير الثوري وتغيير المفاهيم وبسذاجة ما لم يصيبوا الهدف الذي من أجله قاموا في الثورة والتضحيات. ورغم كل ذلك فان ثورة البلاشفة ما زالت الحدث المؤسس الذي أدى بالنظام الرأسمالي الى اعادة النظر وبالتالي خلق نظريات وتطبيقات مثل "الرأسمالية الشعبية"، "دولة الرفاه الاجتماعي" واستحقاقات العاملين والنقابات في الاقتصاد الرأسمالي.
اليوم وبالذات في عهد النيوليبرالية والرأسمالية الخنزيرية (عذرا من الخنزير) من الضروري التأكيد على أهمية تلك الثورة وتعلم الدروس والعبر.
أختتم مقالي بقول شاعر العراق الكبير معروف الرصافي:
للإنجليز مطامع ببلادكم لا تنتهي الى أن تتبلشفوا !
