من جنازة هيكل
*الصحفي الشهير محمد حسنين هيكل (21/9/1923 - 17/2/2016)*
ودّعت مصر الحضارة والصحافة العربية احد ابرز الكتاب الصحفيين السياسي الكبير والمؤرخ الشهير محمد حسنين هيكل، في جنازة مهيبة في القاهرة تليق باشهر الصحفيين المصريين والعرب في القرن العشرين عن عمر ناهز الرابعة والتسعين عاما. هيكل ساهم في صياغة السياسة في مصر منذ عهد الملك فاروق حتى وفاته في بداية العام الحالي وقد عاصر كلًا من الملك فاروق والرؤساء محمد نجيب، جمال عبد الناصر، محمد انور السادات، محمد حسني مبارك، محمد مرسي، عدلي منصور، والحالي عبد الفتاح السيسي. وكان مقربا من جميعهم على امتداد حياته الطويلة والعريضة.
ولد هيكل في حي الحسيني جنوب القاهرة وكان والده تاجرا للحبوب من جذور صعيدية وكان يرغب ان يصبح ابنه طبيبا الا ان هيكل اتجه نحو الصحافة فدرس هذا الموضوع برغبة في الجامعة الامريكية الى ان اصبح صحفيا مشهورا محليا وعربيا ودوليا. بعد ان اتم دراسته الجامعية اتجه فورا الى الصحافة وفي عام 1942 بدأ عمله في الصحيفة الاجنبية الاولى في مصر "ايجبشن غزيت" وعمره 19 عاما وكان دوره ترجمة مقالاتها وقد غطى اثناء تلك الفترة وقائع الحرب العالمية الثانية في موقعة العلَمين ولاحقا غطى اخبار نكبة فلسطين. كما تبوأ مناصب عديدة في ادارة اشهر الصحف المصرية آنذاك فتسلم رئاسة تحرير صحيفة الاهرام لمدة 17 عاما كما رئس ادارة مؤسسة "اخبار اليوم" ومجلة "روز اليوسف". قضى هيكل حوالي 70 عاما عاملا في الصحافة وخلال رحلة طويلة بين الصحافة والسياسة كان مقربا من السلطة الحاكمة من ملوك ورؤساء وابرزهم في حياته المهنية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وتوطدت العلاقات بينه وبين الرئيس عبد الناصروهو في رتبة بكباشي وتابع ثورة 23 يوليو عام 1952. اعجب هيكل كثيرا بعبد الناصربطل الثورة مع الضباط الاحرار وكان مستشارا سياسيا له حتى انه عينه وزيرا للارشاد القومي واسند اليه ايضا الاشراف على وزارة الخارجية لفترة وجيزة.
استطاع هيكل ملازمة عبد الناصر في حياته ومتابعة قضاياه وراء الكواليس دون انقطاع وصدر للرئيس كتاب "فلسفة الثورة" قام هيكل بتحريره وتوطدت هذه العلاقة الى ان اصبح هيكل احد صناع القرار واستراتيجية الدولة الداخلية والخارجية، ولقب على اثرها وعن جدارة "عراف الرئيس" وقيل ان تلفون مكتب هيكل كان متصلا بغرفة نوم عبد الناصر. والحقيقة ان هيكل احب عبد الناصر وقدره عاليا ليس طمعا في مركز او منصب بل لان الرئيس يحب وهوحبيب الشعب وبادله الرئيس نفس الشعور تقديرا واحتراما. اشتهر هيكل في مقالته المعروفة تحت عنوان " بصراحة " في صحيفة الاهرام كل يوم جمعة وكانت تذاع على الهواء في اذاعة صوت العرب.
ومن خلال العلاقة الوثيقة بين السياسيين قال هيكل عن عبد الناصر: "ادركت وانا اتحدث معه انني اتحدث عن شخص يفهم التاريخ والاستراتيجية جيدا وملم بقضية فلسطين ويفهم في الادب والشعر والثقافة وكانت اهتماماته تتسع خارج حدود وظيفته". وقال ايضا الصحفي المشهور أنيس منصور عن العلاقة بين هيكل وعبد الناصر "ان هيكل كان مفكر عبد الناصر وصاغ الفكر السياسي للزعيم وفي هذه الفترة لم يصل اي شخص إلى هذا الدور". وبعد رحيل عبد الناصر ومجيء السادات كانت العلاقة بينهما مزدوجة فتارة يكون مستشار الرئيس في كل كبيرة وصغيرة وتارة اخرى يأخذ دور الصحفي المعارض يهاجمه كلما سنحت الفرصة وقد اصدر هيكل عدة مقالات يشيد بالسادات "ثورة التصحيح" الا ان هذه العلاقة لم تدم طويلا خصوصا بعد حرب اكتوبر 1973 لتعامله سياسيا في انتصارات اكتوبر والاشادة بدور امريكا في هذه الحرب مع ان الانتصار تحقق بسلاح الكتلة الشرقية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، وعلى اثر ذلك سحب السادات من هيكل جواز سفره ومنعه من مغادرة مصر وجرى تحقيق مع هيكل واعتقل وبقي في السجن حتى اغتيال السادات عام 1981.وعندما انتخب مبارك رئيسا لمصر اطلق سراحه واجتمع هيكل معه لمدة 6 ساعات الا ان التنافر ظل سائدا بينهما ولم تدم العلاقة بينهما طويلا.
وفي عام 2012 عندما انتخب الدكتور محمد محمد مرسي رئيسا لمصر اجتمع مع هيكل واقترح هيكل عليه اجراء حوار وطني مفتوح مع كل القوى السياسية المختلفة دون استثناء احد وناقش معه الاوضاع الداخلية والخارجية الا ن مرسي لم يدم في الحكم اكثر من سنة. واستمرارا لسياسته المعروفة بتقربه للرؤساء وبعد تسلّم عبد الفتاح السيسي رئاسة مصر عبر هيكل عن اعجابه بالسيسي آملا ان يكمل مسيرة عبد الناصر وقام بمهام لمناصرة السيسي منها زيارة شهيرة الى دولة الامارات عام 2013. قد يظن البعض ان الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل ركض وراء الرؤساء والملوك وحده ولكن الرؤساء والملوك هم ايضا ركضوا وراءه ليعززوا مكانتهم ويسوقوا انفسهم لشعوبهم ويستغلوا خبرته وتجربته السياسية والصحفية ويطمعوا في استشاراته الثاقبة. ما قيل عن هيكل:
يعتبر هيكل عميد الصحافة المصرية. مؤرخ للتاريخ العربي الحديث وخاصة تاريخ الصراع العربي الفلسطيني. موسوعة تسير على قدمين. اتقن هيكل الفن الصحافي في خدمة السياسي كما اتقن فن السياسي في خدمة الصحافي. الاعلام فقد هيكله. مصر فقدت صندوقها الاسود. وانا اقول خسرت مصر والعالم العربي والدولي عميدين عميد الدبلوماسية العالمية الدكتور بطرس غالي وعميد الصحافة المحلية والعالمية السيد محمد حسنين هيكل. لمصر الغالية على قلبي اقول لتبقَي الرائدة في صنع الرجال العظام صناع التاريخ ولتبقَ القاهرة قلب العروبة النابض.
(دير الاسد)
