اختار الطريق الصعب الوعر المليء بالصخور والأشواك الجارحة والقاتلة، في مطبات النضال والكفاح اليومي، كان يعي حقيقة هذا الطريق ويقول دائمًا، ان طريق النضال هو اقصر الطرق للوصول إلى الهدف في اقل ما يمكن من الخسائر. فالهدف لدى الرفيق الشيوعي والمناضل الصلب والعنيد كمال الحاج أبو ميشيل هو النضال والصمود ثم الكفاح من اجل تحقيق المبادئ التي نؤمن بها على أساس الدفاع عن حقوق الشعب من العمال والفقراء والكادحين والمسحوقين ومساكين الناس الغلابى كافة وكل المتضررين من سياسة الاضطهاد والتمييز القومي والطبقي. ان أجمل واسعد أيام الحياة هي تلك الأيام التي تناضل فيها من اجل تحقيق هدف معين ورأسك مرفوع شامخ إلى الأعلى، حيث يتجلى أمامك صور وأحداث وأنت تشارك وتصنع أمجادها مع عشرات المناضلين الذين ساروا على هذا الطريق. وأبدا على هذا الطريق، طريق العزة والكرامة الوطنية الذي سلكه كبار المناضلين ابتداءً من نصير الفقراء والمعدمين احمد فؤاد نجم إلى كبار نجوم الكفاح في سبيل الحرية والتحرر كنلسون مانديلا وجمال عبد الناصر وجيفارا وياسر عرفات وكمال جنبلاط وسلطان باشا الأطرش وغيرهم كثيرون، في دنيا النضال من اجل الحياة الأفضل والعدل وحقوق الأمم والشعوب في الحرية والاستقلال. أبو ميشيل كمال جبرائيل الحاج وبحق يعتبر وبشهادة الكثيرين من أبناء جيله وقريته البقيعة، وكذلك العديد من المعارف والأصدقاء من القرى المجاورة، ممن واكبوا مسيرته الكفاحية والطويلة والزاخرة بالمواقف والأفعال النضالية، منذ ما قبل قيام الدولة ولغاية الآن.
ان الرفيق كمال الحاج هو الشيوعي الأول إلى جانب من سبقه إلى هذا الطريق مثل طيب الذكر جبرائيل بشارة وآخرين، في وضع اللبنات الشيوعية وإرساء دعائم الكفاح في قريته البقيعة وبعض قرى الشمال. فهو الأب الروحي صاحب الجذور الضاربة عميقًا في هذه الأرض. وهو السنديانة والزيتونة التي أخذت مداها في باطن الأرض وأغصانها وارفة الظلال. فقد انبتت إلى جانبها العديد من الشجيرات الخضراء التي سرعان ما انخرطت في مسيرة الحزب والكفاح دفاعًا عن مستقبل القرية وأهلها. ولهذا غصت قاعة الأخوّة في البقيعة المرج بشرائح المجتمع من المعارف والأهل والأصدقاء كافة ممن يعترفون ان تكريم كمال الحاج أبو ميشيل في عيده الثمانين ما هو الا اعتراف واستحقاق بالمكرّم وبعطائه الذي لا ينضب على مدار أكثر من ستين عامًا ولغاية الآن في خدمة شعبه وأهل بلده والمجتمع عمومًا. ولذلك اعتبروه وبحق المؤسس الحقيقي والأب الروحي لهذه التينة اليانعة التي زرعها أبو ميشيل في ارض البقيعة نبتة تأسيس فرع الحزب في سنوات الخمسين الأولى. وكذلك في بناء جبهة البقيعة الديمقراطية فيما بعد، فهو واحد ممن انخرطوا في مسيرة الكفاح في سن مبكرة في صفوف الشبيبة الشيوعية. إذ كان الرفيق كمال الحاج مثالا للشيوعي المخلص والملتزم والمنضبط سياسيًا وفكريًا وتنظيميًا وإداريا، وهذا زاده قوة وحركة على الصعيد الاجتماعي في علاقاته اليومية مع أهل بلده والناس عامة، ولهذا حظي رفيقنا الغالي بدعم ومحبة واحترام كل من عرفه العدو قبل الصديق. ولأنه إنسان وشيوعي عنيد من اجل الحق وحرية الآخرين وهب أحلى وأجمل سنوات عمره لشريكة حياته أم ميشيل والتي شاركته مسيرته الطويلة فكانت خير داعم حين شدت من أزره وساندته في المواقف الصعبة الحرجة وتحملت ذلك الهم والكم الهائل من المصاعب وشظف العيش والملاحقات والاعتقالات البوليسية كما ساهمت إلى جانبه في تربية وتنشئة الأبناء على طريق النضال الذي رصفته وعبدته الشيوعية عامة وكمال الحاج خاصة في بلده ومجتمعه. فإلى جانب كل مناضل وشيوعي عظيم زوجة على شاكلته، انشراح الحاج أم ميشيل فهي جديرة بالاحترام والتقدير والاعتزاز.
*الأرض والكرامة الوطنية*
كرس الرفيق كمال الحاج أحلى وأجمل السنوات من عمره، تلك السنوات التي هب فيها دفاعًا عن أهل بلده في تحصيل الحقوق ودفاعًا عن الأرض والكرامة الوطنية وحق أهل بلده في ان يكون لهم مجلس محلي منتخب من الأهالي، وكان ذلك في سنوات أواخر الخمسينيات من القرن المنصرم. وقد مثل أبو ميشيل فرع الحزب لمدة عشر سنوات عضوًا نشيطًا في السلطة المحلية وقدم الكثير لمن كانوا بحاجة إليه في تلك الفترة من الرعاية الصحية والتعليمية والسكن والمواصلات والمياه وغيرها. ولهذا تعلم، تعرف أبو ميشيل واكتسب خبرة جديدة في العمل السياسي والبلدي إلى جانب نضاله المشروع عن الحق العام وحقوق العاملين والكادحين، فكان نقابيًا وعضوًا فعالا في مجلس عمال نهريا ممثلا عن عمال البناء حيث كان واحدًا منهم. فقد قام بدوره وعلى احسن وجه دفاعًا عن مطالب حقوق عمال البناء ومجموع العاملين. دافع بكل قوة وقناعة سياسية وفكرية عن حقوق المضطهدين والناس الغلابى من العرب واليهود، عمل ورسخ مع رفاقه مبادئ الأممية والتعايش والمساواة وناضل بدون كلل ولغاية الآن تراه في كل نشاط سياسي وجماهيري يهدف إلى تخفيف المعاناة عن الجماهير العربية والشعب الفلسطيني عمومًا وفي سبيل عودة اللاجئين إلى قراهم وبيوتهم وأراضيهم.
كان رفيقنا الغالي كمال الحاج شاهدًا وهو ما زال شابًا يافعًا على مأساة العصر وتشريد وترحيل جيرانه من أهل اقرث وكفر برعم وسحماتا وترشيحا وعشرات القرى الواقعة في شمال فلسطين، وهو يرى طوابير اللاجئين وقد حملوا ما استطاعوا من الأمتعة متجهين شمالا إلى لبنان في مسيرة اللاعودة دون ان يعرفوا بذلك ، بعد ان دمرت العصابات الصهيونية الإرهابية قراهم وممتلكاتهم فإما الموت أو الرحيل، كان ذلك في ربيع صيف عام النكبة 1948.
هذه السياسة الصهيونية المبرمجة بدقة وفي أعلى المستويات، ولدت لدى الشاب الوطني والمتحمس كمال الحاج روح النضال والعزيمة والانخراط في جو الصراع التي شهدته سنوات النكبة وما تلاها من أحداث ومجازر ارتكبت بحق الباقين على هذه الأرض لحملهم على ترك البلاد والوطن. وهنا يقول أبو ميشيل فيما بعد ان الفضل يعود للشيوعيين في بقاء وصمود البقية الباقية من الشعب الفلسطيني. فكان انتسابه لصفوف الحزب ومعرفته طريق الشيوعيين، وما يطرحونه من سياسة واقعية وأفكار ومبادئ تدعو إلى الحل السلمي وعودة اللاجئين والدفاع ومساندة الفقير والمحتاج والى مبدأ تطبيق العدالة الاجتماعية، ولهذا تأثر أبو ميشيل بالأفكار الحمراء وبسياسة الشيوعيين وجرأتهم على المواجهة وأسلوب طرح ومعالجة الأمور بكل جرأة وصراحة لا تضاهيها أي قوة أو حزب في تلك المرحلة الحالكة من الغموض والسواد الذي كان يلف مستقبل الشعبين والبلاد معًا.
*في غمرة الكفاح*
نما وترعرع أبو ميشيل كمال الحاج، وشب في غمرة الكفاح كما اشتد عوده الكفاحي، وهو شاب يافع ابن الخمسة عشر ربيعًا، حيث يقول ما أصعب وما أجمل تلك السنوات انها سنوات البدايات وأساليب الكفاح الأولى التي تشابكت مع سنوات المرح والطفولة التي لم نعرفها. كنا رجالا مستعدين للعمل والعطاء والتضحية في سبيل حرية وكرامة بلدنا وجماهيرنا وشعبنا عامة ونحن في جيل الطفولة التي لم نعشها ولم نتعود عليها. فهكذا جعلتنا الحياة والظروف السياسية المحيطة بشعبنا ومدى ضخامة المؤامرات التي تحيكها الصهيونية والامبريالية والرجعية على شعبنا ومستقبله. وها هي المؤامرة مستمرة على الشعب السوري والعراقي وبقية الشعوب العربية وغير العربية. ان نجاح الصهيونية والاستعمار في سرقة ونهب وتقويض أركان حرية الشعب الفلسطيني واستقلاله السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لا يعني ان القضية الوطنية والسياسية قد انتهت وان الحاصل اليوم في الشرق الأوسط والتململ بين الشعوب العربية يضع كل مخططات الامبريالية وحكام إسرائيل والرجعية العربية في دائرة الخطر تحت رياح التغيير التي أساسها الظلم والاضطهاد ونهب خيرات الشعوب وإبقاؤها في دائرة الجوع والفقر. ان هذا الوضع كما يقول رفيقنا الغالي أبو ميشيل كمال الحاج يحمِّلنا مسؤولية النضال والدفاع والتصدي للمؤامرات علينا ان نكون في مقدمة النضال سواء ضد الاحتلال أو مخطط برافر ودفاعًا عن حق أهالي بلدة رمية في العيش الكريم.
ويعود أبو ميشيل إلى الوراء كثيرا ليضيف، كنا مجموعة قليلة جدًا من الرفاق لا يتعدى عددها اصابع اليد الواحدة فقد حملنا دمنا على كفنا، ونحن ما زلنا على عتبات الوعي السياسي والوطني الأولى حيث كنا نوزع المنشورات الحزبية على قرانا في الجليل ندعو الناس إلى الصمود وعدم الخوف من الحاكم العسكري وان نفضح سياسة الحكم العسكري بالرغم من الملاحقة اليومية وقطع الأرزاق والاعتقال والنفي وغيره. فلولا وجود مجموعة من الشيوعيين أخذت على عاتقها ومن صميم برنامجها ومبادئها، فضح الحكم العسكري والمؤامرة الدنسة الاستعمارية الصهيونية الرجعية لكانت أوضاعنا كشعب وجماهير عربية أسوأ مما يتصوره العقل. لهذا نجح الشيوعيون البواسل في إحداث قفزة نوعية في حياة وتطور الأقلية الفلسطينية في إسرائيل من جماهير مهزومة مبعثرة يائسة لا حول لها ولا قوة، إلى شعب صامد ينتزع مستقبله بنفسه ويخطو خطوات يغمرها الأمل بالمستقبل القائم على الحق والمساواة والسلام المبني على العدل تحت خيمة التعايش للشعبين.
حمل عزيزنا الغالي كمال الحاج منذ سنوات شبابه الأولى، الاتحاد والصحافة الحزبية من مجلة الجديد والغد مشعل الوعي والكفاح، متنقلا متخفيًا من بيت إلى بيت ومن على أسطح المنازل يتنطط بين السناسل والحواكير متأبطًا إياها في داخل أكمام ملابسه يوزعها سرًا على قراء الاتحاد الذين نقر أنهم بدعمهم لها والاستعداد للتضحية في سبيلها، قد كان يعتبر عملا وطنيًا بطوليًا من الدرجة الأولى في اكبر تحدٍّ مشرف لسياسة الحكم العسكري وعملائه وللحركة الصهيونية والرجعية، ولهذا اجتاز رفيقنا الفارس أبو ميشيل كل امتحانات الصمود وفنون النضال واشكالات المصاعب والمحن وقد عبرها ليس بنجاح فحسب وإنما ساهم بكل مسؤولية في ان يزرع خميرة النضال والتحدي في وجه الحكم العسكري، وافشل وفضح الكثير من الدهاليز والمؤامرات المبيتة وأسّس وجنّد مع الآخرين من الرفاق مثل رزق سمعان وآخرين مما واكبوا عضوية ومسيرة الحزب على مدار ستة عقود من الزمن.
رفيقي أبا ميشيل، أنت الجندي المقدام الذي وضع نفسه في خندق المواجهة مع مملكة الشر، ان سيرتك مُلهمة وتاريخك سجل حافل وعطاءك نبع فوار لا ينضب، فأنت شاب وشيخ الشباب في جيل الثمانين نتمنى لك دوام الصحة والسعادة والعطاء والعمر المديد لك ولجميع أفراد الأسرة الكريمة.
(كويكات/ أبو سنان)
