ظاهرتان ثوريتان بامتياز كل في موقعه
*بالأمس ودعنا شاعر الثورة في مصر العربية أحمد فؤاد نجم والقائد التاريخي لجمهورية جنوب إفريقيا نيلسون مانديلا! ظاهرتان ثوريتان بامتياز كل في موقعه حارب وناضل من اجل حرية شعبه. ظاهرتان*
بالأمس القريب جدًّا ولم يكد يمضي أسبوع خسرت الإنسانية المعذبة المقهورة رمزين من رموز هذا الزمن الرديء.
شمعتان انطفأتا تضيئان سماء القارة السمراء من جنوبها إلى شمالها، هذه القارة المهمشة والمسلوبة الإرادة والتي كانت بالأمس مرتعًا للقوى الاستعمارية الغاشمة التي أذاقتها الأمرّين من سياسة الاستغلال والاضطهاد وانتهاك ابسط حقوق وكرامة الإنسانية.
بالأمس ودعنا شاعر الثورة في مصر العربية أحمد فؤاد نجم والقائد التاريخي لجمهورية جنوب إفريقيا نيلسون مانديلا! ظاهرتان ثوريتان بامتياز كل في موقعه حارب وناضل من اجل حرية شعبه. ظاهرتان تستحقان الدراسة والتحليل واستنتاج العبر لما لهما من إسقاطات على كل شعوب عالمنا العربي والعالم بأسره. لن أتعمق في التحليل والمقارنة لان هذا الأمر يحتاج إلى دراسة موسعة ومتأنية لاستخلاص النتائج والعبر، ولكني هنا سوف أتطرق إلى شاعرنا أحمد فؤاد نجم بحكم صلة المواكبة والتواصل الحقيقي مع هذا الشاعر العملاق وتراثه الثوري هو ورفيق دربه الشيخ إمام عيسى. فمنذ أواسط الستينيات تتبعت أشعار نجم والحان الشيخ إمام حتى تحقق لي ذلك عام 1990 عندما قمت بزيارة مصر العربية وبحثت عنهما وتعرفت شخصيًا عليهما وعلى ظروف حياتهما ومخلفاتهما الثورية.
واكبر دليل على ذلك هو نهر النيل العظيم هذا النهر الذي يشق صدر القارة السوداء حاملا هموم الناس المعذبين عبر مسيرته الخالدة نحو البحر المتوسط..!
نعم لقد فقدت مصر العروبة شاعرًا مجبولا بهموم الناس المهمشة الغلابى وانخرط بحياة الناس وهمومها فعاش حياتهم اليومية بكل تفاصيلها. عاش في أكثر الأحياء الشعبية المسحوقة لأكبر تجمع بشري في اكبر عاصمة في هذه القارة وهي مدينة القاهرة. أحمد فؤاد نجم!! هذا العملاق في عظمة التحدي ومقارعة الظلم والاستبداد. هذه الروح والإرادة التي تختبئ خلف جسم نحيل وجلابية متواضعة في حي الباطنية وبالذات في حي حوش قدم، ولا بد لكل من زار هذا الحي وشاهد ملايين الناس المهمشة المحاصرين في الفقر والحرمان لا بد ان يعتصره الألم على ما ألم بالبشرية من عذابات ومواجع في رحلة الحياة! وهي على الأصح رحلة المعاناة والموت الأبدي... فالإنسان يولد من اجل ان يرى النور في إحدى محطات حياته ولكن هنا في حوش قدم فالإنسان يولد ويموت في محطة واحدة ووحيدة هي العذاب والمعاناة وظلم القدر الذي لا يفارقه ولو للحظة من لحظات حياته!
وسط هذه الأدغال البشرية! ترعرع وتطور شاعرنا الراحل أحمد فؤاد نجم ومن هنا أطلق صرخته المدوية عبر مسيرة عشرات السنين هو ورفيق دربه الراحل الشيخ إمام عيسى يحملان الأمل والبشارة ويتوقعان حتمية الخلاص لهذه العيون المعذبة الغارقة في الفقر والاستبداد، وما زلت أتذكر رغم مضي أكثر من عشرين عامًا على لقائي بهما في حوش قدم روح التحدي والتفاؤل وحتمية إيمانهم الراسخ بان بشارة الأمل آتية لا ريب، وستنطلق من هنا من هذه الحواري والأزقة المهملة لكي تغير واقع الحال وترسم بشارة النصر والأمل لهذه الملايين.
رحل الشيخ إمام أواسط التسعينيات، رحل بعد ان ترك ألحانا من كلمات رفيق دربه نجم كنزًا وإرثًا ثوريًا لكل الناس المقهورين في شتى أصناف الاستبداد والقهر الذي تعرفه البشرية. فغنيا لثوار العالم اجمع وعلى رأسهم رمز الثورة في العالم جيفارا. وغنيا لفلسطين الجريحة وفي إحدى قصائده المشهورة:
يا فلسطينية والبندقاني رماكو
بالصهيونية
تقتل حمامكو وحماكوا
يا فلسطينية
وأني بدي أسافر
حداكو
ناري بأيديا
وإيديا تنزل معاكو
على رأس الحية
وتموت شريعة
هولاكو...
وهذه عبقة بسيطة مما كتبه شاعرنا العظيم لكي تتحول مع الزمن إلى منارة وقاموس لكل عشاق الحرية في عالمنا العربي بل في العالم اجمع... رحل الشيخ إمام وبقي نجم وحيدًا يتابع مسيرته من اجل الحرية والعدالة وقد حالفه الحظ بان شارك فعليًا وليس بالقصيدة فقط جماهير ثورة 25 يناير وهي تتحدى وتعلن ثورة الملايين الغاضبة في مختلف ميادين مصر وبالأخص في ميدان التحرير في القاهرة، هذه الثورة التي صنعها شباب مصر الذين انخرطوا بالمد الثوري العارم الذي تمرد على الظلم والظلام وبالطبع فقد كانت كلمات نجم والحان إمام ترافقهم بل هي معلم مهم للملايين من الشباب الثائر الذي فرض الأمر الواقع وحقق الحلم الذي تنبأ به نجم دائمًا وهي بشارة الخلاص. ولكن وللأسف فالمسيرة لم تكتمل بعد، فالأمور لم تسر بالاتجاه الصحيح والطبيعي من اجل بناء دولة الحرية والعدالة. وسرعان ما تسلق بعض العناصر المتربصة بالثورة من ظلاميين هذه المنصة وهذا الانجاز العظيم الذي سارت عليه جماهير الشباب فأدخلت مصر والثورة الحقيقية لشعب مصر إلى متاهات من التعصب والتزمت الديني والاستيلاء على السلطة من خلال الدعم الخارجي لأولياء الحركات الأصولية والاخوانية في خليج البترول العربي! وبذلك أصبحوا يشكلون خطرًا حقيقيًا على مصر وعلى انجازات الثورة في مصر.. تخوف نجم من هذا الاستحواذ البشع لمجريات الثورة ودافع بكل الوسائل الممكنة عن الثورة.. ولكن كان لا بد من وجود تحرك مضاد فانطلقت ثورة 30 يوليو حيث عشرات الملايين من أبناء مصر خرجوا إلى الشوارع واتضح حجم المؤامرة التي تتعرض لها مصر الثورة، فحكومة مصر وخلال أكثر من عام لم تحاول ان تضع خارطة طريق واضحة لحل مشاكل مصر المستعصية من مشاكل اقتصادية واجتماعية بل ثبت ان همها الواحد والوحيد كان الاستيلاء على السلطة وعلى مختلف مؤسسات الدولة.. فكان لا بد ان يتحرك الشارع وبمساعدة الجيش المصري تم عزل مرسي وفضح حجم المؤامرة التي تتعرض لها مصر من اجل الإجهاض والاجهاز على الثورة ومكتسباتها، فقد نزل الشباب إلى الشارع ومعهم نجم وأشعاره التي عبرت اصدق تعبير عن هذا الواقع وعن هذا الغليان الشعبي الذي لن يهدأ ويكنّ حتى تتحقق مطالب الجماهير بالحرية والعدالة والديمقراطية الحقيقية!
لقد غيب الموت شاعرنا.. فجأة ومصر الثورة تقف الآن على مفترق طرق هام وأساسي.. هنالك الخطر الداخلي المتمثل بالإخوان ومن لف لفهم من تيارات أصولية والخطر الخارجي المتمثل بالدول الرجعية التي تدعم هذه الحركات الأصولية. فالأمر يتوقف على قيادة الجيش ومدى مصداقيتهم في تحقيق أماني وتطلعات الجماهير وبناء ديمقراطية حقيقية، فالى أين المصير؟!
فعليك منا السلام أيها الثائر بالكلمة من اجل الحرية، فالكلمة في لحظات معينة تأثيرها أقوى من البندقية! من اجل الحفاظ على شباب مصر الثورة ومكتسبات ثورة 25 يناير فأنت رغم غيابك الجسدي عنهم إلا انك ما زلت في وسطهم في ميدان التحرير بالروح وبالإرث الثوري الذي ضمته أشعارك الخالدة.
(شفاعمرو)
