القبلية الجاهلية ما زالت مَغروزة في الوعي الجماعي العربي حتى النخاع، والطائفية ما زالت مُنغمسة في صبغاتنا الوراثية العربية، وكلتاهما تأكل وتهدم في جسد الأمة الذاوي من تطوان الى بغداد ومن اليمن السعيد الذي لم يعد سعيدًا بهمة الوهابيين اللوَثان التكفيري الملعون الرابض في جزيرة العرب الى سوريا ولبنان. الدين وَحَّد الأمة في فجر الاسلام وكرسَ القبلية التي أخذت شكلا سياسيًا أوليًا في تاريخ العرب بعد مقتل الامام علي كرم الله وجهه وتأسيس الدولة الاموية في الشام على يد معاوية بن أبي سفيان.
شعوبنا لم تمر في المراحل السياسية التي مرت بها الشعوب الأوربية منذ القرون الوسطى الى الآن. لم تمر بالثورة الصناعية والتقنية ولا بالثورة الاجتماعية السياسية الكاملة التي غيرت وجهة الشعوب ومسيرة الحضارات. انتقلنا معظمنا من مجتمع فلاحي بدوي اقطاعي الى العصور الحديثة التي ميز مَسيرتها الاستعمار الغربي الاستيطاني، كما في فلسطين وفي الجزائر وفي جنوب إفريقيا مثلا ومنه الى نظام العولمة الرأسمالية والنمط الاقتصادي والاجتماعي الحالي الذي يحاول فرضه علينا الغرب المتوحش حتى بقوة السلاح. مشكلة تعريف انتمائنا هي المشكلة الرئيسية التي تعاني منها شعوبنا ومجتمعاتنا وتتركنا مجتمعات مُخترَقة حتى العظام هشة قابلة للكسر والاختراق من الأعداء المتربصين بنا هنا وهناك.
ما يحدث في عالمنا العربي في هذه اللحظات العصيبة هو شهادة حيّة ومُرعبة عما نقول. كتب ميخائيل نعيمة قبل قرن من الزمن يقول " قبل أن تحرروا وتنقوا العالم حَرروا ونَقوا أنفسكم ". دعونا نفكر بهذا القول الحكيم الآن هل نفوسنا حُرة ونقية على المستوى الشخصي؟. هل يستطيع كل واحد منا أن يُعرف بطلاقة انتمائه قبل أن يفقد بوصلته ؟. انتماؤنا الأول الى الانسانية لكوننا جزءًا منها ولنا الباع الطويلة في خلق حضارتها وشرائعها وقوانينها. انتماؤنا الثاني الى الأمة العربية الكبيرة من المحيط الى الخليج بناسها وثرواتها. انتماؤنا الثالث الى شعبنا الفلسطيني لأننا بطبيعة الحال جزء منه. انتماؤنا الرابع الى بلدنا مدينتا وقريتنا التي وُلدنا فيها، نعيش فيها ونعرف عن ناسها وهوائها وشوارعها. الانتماء الى القبيلة والطائفة والحمولة والعائلة عفى عليه الزمن وولى ولم يعد يصلح الى حقيقة وجودية بشرية مُختلفة الآن، ولا تصلح لقوانين وأجندة ومعالم الأمم المتحضرة القوية والمسيطرة. الحروب الصليبية والفتوحات الاسلامية ولت الى غير رجعة وأصبحت في ذمة التاريخ بسلبها وايجابها. خلاصنا في تحرير أنفسنا وتنقيتها من الشوائب التي ذكرت وفي انتمائنا الى الانسانية المتحضرة الراقية التي تحترم حقوق الشعوب وحضاراتها، والى امة واعية متطورة نعرف خلاصها وسر بقائها وهي في صراع وجودي الآن.
صباح الخير الى احرار هذه الامة من المحيط الى الخليج
صباح الخير الى شمس العرب المُشعة الآتية لا محالة.
