لم يشهد التاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر منعطفا حادا ربما يفضي لكارثة جديدة لم يشهدها من قبل ، لا تهدد القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني فحسب ، بل تهدد الوجود الفلسطيني على أرضه ، إذا لم نحسن قراءة الواقع بكل أبعاده الثلاثية ، العربية والإقليمية والدولية ، وندرك قوانينه ومحركاته الأساسية ، وقواه الفاعلة المؤثرة في حركة المجتمع السياسية والاجتماعية والدمقراطية .
في الماضي ، إلتقت مصالح القوى المعادية لشعبنا وللشعوب العربية على أرض فلسطين ، وخلقت الامبريالية البريطانية ، والحركة الصهيونية والرجعية العربية وفى القلب منها القيادات الإقطاعية والعشائرية الفلسطينية التي تصارعت لإرضاء هذه القوى، ونسيت في ذروة صراعاتها الداخلية ، المصالح الحقيقية للشعب الفلسطيني ، هذه القوى المعادية قد خلقت القضية الفلسطينية التي كان من نتائجها التشرد والمعاناة والاغتراب عن الوطن منذ أكثر من ستين عاما .
ولاحقا مع تبدل هذه القوى بقى مضمونها الاستعماري والرجعى ، فزادت من هيمنتها على المنطقة ، وأحاطتها بقواعدها العسكرية ، وأخضعتها لمصالحها النفطية، وحافظت على الأنظمة التي تقهر شعوبها ، وساندت العدوانية الإسرائيلية في المنطقة ، وتحولت المنطقة التي تحتاج شعوبها للأمن والسلام الاجتماعي والدمقراطية ، الى ثكنة عسكرية ، وساهمت في خلق صراعات محلية في كل بلد ، وشكل شعار الحرب على الإرهاب ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان ، وتحولت المنطقة الى صراعات حدودية ، ومذهبية ، واثنية ، تهدد باندلاع معارك وحروب متواصلة ، تدفع ثمنها الجماهير الشعبية والفقراء من العمال والمزارعين والشبيبة والمرأة والمثقفين الثوريين ، وعلى الرغم من ذلك بقيت القضية الفلسطينية تشكل بؤرة الصراع الأساسية في المنطقة ، ومصدرا للتوتر والحروب.
وفى الواقع الفلسطيني الملموس ، إذا كان البعض ، يرى في المفاوضات مقاومة على الطاولة تعكس موازين القوى على الأرض ، وطبيعة القوى المساندة لكل طرف، ودور القانون الدولي ومدى الالتزام بقرارات الشرعية الدولية ، وقدرة المجتمع الدولي على تطبيقها ، فقد فشلت المفاوضات في تحقيق أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال والعودة التي استمرت لأكثر من سبعة عشر عاما دون جدوى . لقد انتهزت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة اليمينية والموغلة في التطرف المفاوضات الجارية والاتفاقيات ، لتنفيذ المخطط الإسرائيلي الاستيطاني ونهب الاراضى وبناء المستوطنات ، وتهويد القدس ، وإقامة جدار الفصل العنصري والحواجز ،وهدم البيوت ... الخ وفرضت وقائع أحادية على الأرض تتناقض مع قضايا الحل النهائي ، تمنع بنهجها الاستيطاني إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس .
إن تجربة المفاوضات الطويلة أظهرت عدم جدية الإسرائيليين للسلام طبقا لقرارات الشرعية الدولية ، وتهربها من استحقاقات عملية السلام ، وانحياز ومحاباة الولايات المتحدة الأمريكية لها راعية عملية المفاوضات، ورفضها ممارسة الضغط على إسرائيل ، مما دفع القيادة الفلسطينية والرئيس ابومازن باتخاذ قرار عدم العودة للمفاوضات إلا إذا توقف الاستيطان كليا وخصوصا في مدينة القدس ، والتمسك بقرارات الشرعية الدولية كمرجعية للمفاوضات ، وتحديد زمن لإنهائها .هذا الموقف الذي تبنته القيادة الفلسطينية يتطلب دعمه وإسناده من كافة القوى الوطنية والإسلامية بما فيها حركتي حماس والجهاد الإسلامي ، ومكونات المجتمع المدني ، جماهيريا وشعبيا حتى يدرك العالم أن هذا المطلب ليس مرهونا بموقف الرئيس ابومازن بل بموقف الشعب الفلسطيني وقواه السياسية على اختلاف انتماءاتها السياسية والإيديولوجية ، وتحصين الموقف الفلسطيني من الانزلاق والتراجع عن موقفها ، والعودة للمفاوضات تحت تأثير الضغوطات العربية والدولية ،أو إغراءات وضمانات أمريكية مرتقبة لا يمكن الوثوق بها.
وفى نفس الوقت ، فان غزة التي تحولت الى مخزن من البارود قد ينفجر في أية لحظة داخليا ، أو بسبب استمرار العدوان ، والحصار الاسرائيلى على شعبنا ، فقد فشلت القوى بتشكيل جبهة مقاومة موحدة بمرجعية سياسية طبقا لوثيقة الوفاق الوطني ، واستبدلتها بإطلاق الصواريخ من غزة التي لم تجلب لشعبنا سوى الدمار ، ولم تحقق أهدافه في الحرية والاستقلال والعودة ، في حين شعبنا الفلسطيني في غزة يداوي جراحه من جراء العدوان الاسرائيلى الأخير ، وينتظر بفارغ الصبر إعادة اعمار ما دمره الاحتلال على الرغم من مرور أكثر من عام على العدوان . لقد تصاعدت في الآونة الأخيرة، تصريحات السياسيين والعسكريين الهستيرية في إسرائيل ، ضد أهلنا في غزة ، وارتفعت حمّى التهديد بتوجيه ضربة موجعة إذا استمر إطلاق الصواريخ. إن المسؤولية الوطنية تتطلب من كافة القوى أن تأخذ هذه التهديدات بمنتهى الجدية ، فدماء شعبنا ليست رخيصة ، وعليها أن تعيد النظر بالأساليب والأدوات الكفاحية ،وأن تتوقف عن إطلاق الصواريخ فورا بعيدا عن الحسابات التنافسية والأجندات الخاصة ، ودون إعلان ذلك في هذه اللحظة التاريخية الحالية التي تتطلب حسا ويقظة ، وتفويت الفرصة على المتطرفين الإسرائيليين ، وعدم تقديم ذرائع لعدوانها وتجنيب شعبنا الكارثة التي يحاول الاحتلال الاسرائيلى استدراجها لضربة موجعة ، وإلا كيف نفهم التصعيد الإسرائيلي الأخير والهجمات المختلفة على القطاع، وفشل صفقة شاليط التي كانت قاب قوسين أو ادنى من تنفيذها ، والتصلب في موقف حكومة نتينياهو العنصرية ؟؟ . إن إدراك خطورة اللحظة ، وأهميتها يتطلب اتخاذ قرار مسئول بالتوقف عن إطلاق الصواريخ من كل الجهات باعتباره مطلبا شعبيا ووطنيا ، ودعم وإسناد حركة حماس في موقفها منع إطلاق الصواريخ من غزة ، بغض النظر عن هدفها ، وتبريد الوضع في غزة ، والعمل على تشكيل جبهة مقاومة شعبية في الضفة الغربية وإعادة الاعتبار لقطاع غزة كداعم للمعركة الحقيقية في الضفة الغربية وليس خنجرا في خاصرتها الجنوبية .
إن التهدئة في قطاع غزة والتزام كافة القوى بها هى مصلحة فلسطينية ، تهدف لقطع الطريق على كافة المساعي الإسرائيلية لاستمرار وتوسيع عدوانها على غزة ، وعلى الرغم من خطورة الانقسام وآثاره السلبية على المجتمع الفلسطيني ، فان موقف القيادة الفلسطينية ،والرئيس ابومازن بعدم العودة للمفاوضات إلا إذا توقف الاستيطان كليا ، وليس جزئيا ولفترة زمنية محددة ،وتحددت مرجعيتها ، وموقف حركة حماس بوقف إطلاق الصواريخ من غزة الآن ، يلتقيان في نفس الهدف ويخدمانه . فهل بعد ذلك يمكن القول إن الخطين المتوازين يلتقيان في المحصلة النهائية لأهداف شعبنا في الحفاظ على قضيته الوطنية التحررية من التبدد والانقسام ، على طريق تعزيز الوحدة الوطنية ، وإعادة الاعتبار لقضيته العادلة، وتوجيه كفاح شعبنا الفلسطيني نحو العدو الحقيقي- دولة الاحتلال الإسرائيلي ، والبحث عن أدوات ووسائل إبداعية كفاحية أخرى لمواجهته.
( عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني )
(غزة)
