*باستثناء معالجة بعض القوانين الحساسة وخاصة العنصرية منها، والمناوشات الحزبية العادية والعابرة، فإننا سنكون امام دورة شتوية قد تكون ابرد من شتائها، فعادة الدورة الشتوية كان في مركزها اقرار الموازنة العامة، ولكن بعد اقرار موازنة 2012 في نهاية العام الماضي، فلن يكون حدث مركزي في هذه الدورة، خاصة على ضوء حالة التماسك الائتلافي.*
"يسرائيل بيتينو"
كان موقف زعيم "يسرائيل بيتينو"، أفيغدور ليبرمان، الأكثر صراحة بشراسة الرد على المحتجين، ليصفهم حتى بـ "الجعجاعون المأجورون"، وانضم اليه بطبيعة الحال قطيع نوابه في الكتلة.
ويرى ليبرمان ان تصاعد الحملة الشعبية سيشوش الأجندة السياسية التي بنى ذاته عليها، على الرغم من أن قطاع المهاجرين الروس الذي يدب نسبة عالية جدا من أصواته لحزب ليبرمان، محسوب هو أيضا على الشرائح الوسطى والفقيرة، فرغم ان اوضاعهم الاقتصادية تبقى أفضل من المهاجرين من أثيوبيا واليهود الأصوليين، إلا أن معدلات الرواتب والمداخيل لديهم، تبقى من المعدل وما دون.
كما يبدو فان ليبرمان لا يقلق من رد فعل المهاجرين الروس على هجومه على المحتجين، باعتبار ان هموم الروس ما تزال تنصب في شكل اندماجهم الكلي في المجتمع، وضمان أماكن العمل، وغير ذلك.
أما على الصعيد الشخصي، بالنسبة لليبرمان وقضية ملف الفساد الذي يطارده، فكل التوقعات على مدار العامين السابقين بأن هذا الملف لن يحسم بالجدول الزمني الطبيعي قد تحققت، فها هي النيابة العامة قد قررت في منتصف شهر نيسان الماضي، ومن حيث المبدأ تقديم لائحة اتهام ضد ليبرمان بشبهات الفساد، بعد أن اسقطت تهمة الحصول على رشاوى، التي أوصت بها الشرطة، وقد أعلن رسميا ان جلسة الاستماع التي سيطرح فيها طاقم الدفاع ادعاءاتهم أمام النيابة من اجل إقناعها بالعدول عن قرارها، ستجري في الشهر الأخير من العام الجاري، وهو اجراء متاح لكبار المسؤولين ومنتخبي الجمهور.
وبعد تلك الجلسة، سيكون أمام النيابة فترة أربعة اشهر، وقد تطلب تمديدها، لفحص ادعاءات الدفاع، ولتصدر قرارها النهائي، بمعنى أن اي قرار نهائي لتقديم لائحة اتهام ضد ليبرمان لن يكون قبل منتصف العام المقبل 2012، اي قبل نحو 15 شهرا من الموعد الرسمي للانتخابات البرلمانية في خريف العام 2013.
وفقط للتذكير، أنه بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في شهر شباط العام 2009، وتشكيل حكومة نتنياهو في الأول من نيسان العام ذاته، جرى الحديث عن تقديم لائحة اتهام من حيث المبدأ في منتصف أيار العام ذاته، بمعنى أن القرار النهائي سيصدر بعد أكثر من ثلاث سنوات عن ذلك الإعلان، وهذا يعكس مدى تحكم الحكومة، وليبرمان شخصيا، بجهاز النيابة ووزارة القضاء، التي يتولاها وزير "مستقل" حظي بموافقة ليبرمان لدى تعيينه.
وحتى الآن يعلن ليبرمان أنه لن يسحب حزبه من الحكومة في حال تم تقديم لائحة اتهام ضده، في حين ان القانون يحتم على ليبرمان الاستقالة من منصبه الوزاري، وهناك أسباب منطقية تخدم شخص ليبرمان في هذا الأمر، إذ يرى ليبرمان أن بقاء حزبه في الحكومة، مع امساك كافة الخيوط من الخارج، ومن خلال عضويته البرلمانية، يعزز مكانته في المعركة القضائية التي سيخوضها، ولكن من جهة أخرى، من الصعب التكهن منذ الآن، بمصير حزب ليبرمان في الانتخابات المقبلة، في حال جرت الانتخابات وهو يخوض المحاكمة، فهذا حزب "الشخص الواحد" يحكمه ليبرمان بمفرده، ومصير الحزب مرتبط بمصير ليبرمان.
"عتسمؤوت"
كتلة "عتسمؤوت" بزعامة وزير الأمن، إيهود باراك، والمنشقة في مطلع العام الجاري عن حزب "العمل" هي كتلة وزارية أكثر منها "نيابية"، فيها أربعة وزراء ونائب واحد، ومن الصعب تذكر كتلة مشابهة في تاريخ الكنيست، وفي هذه الكتلة وزراء كانوا ذات يوم محسوبين على التيار الاجتماعي، مثل وزير الصناعة والتجارة والتشغيل شالوم سمحون، ووزيرة الزراعة أوريت نوكيد، فكلاهما كانا في قيادة حزب "العمل" كممثلين عن القرى التعاونية الكيبوتسات والموشافيم، ونظريا كان عليهما الظهور في مشهد الاحتجاجات الشعبية.
ولكن هذه كتلة همها اجتياز الدورة البرلمانية الحالية حتى آخر يوم فيها، لأنها ستكون على كف عفريت في أي انتخابات مقبلة، إذ لم يظهر استطلاع واحد للرأي منذ السابع عشر من كانون الثاني ، وحتى الأيام الأخيرة، الا واشار إلى زوال كتلة إيهود باراك عن الخارطة السياسية، وقد ينجح بعض من الخمسة في القفز على مركب أحد الأحزاب البرلمانية المضمونة، كي يضمن له دورة برلمانية أخرى.
ولهذا، وعلى الرغم مما أبداه باراك من "تعاطف" مع الحملة الشعبية، إلا أنه لن يفكر أصلا في المبادرة لأزمة سياسية مع نتنياهو ليضعف الائتلاف الحاكم.
"شاس" و"يهدوت هتوراة"
تبقى كتلتا المتدينين الأصوليين "شاس" لليهود الشرقيين، و"يهدوت هتوراة" لليهود الغربيين، الأشكناز، آخر المعنيين بإسقاط هذه الحكومة، التي تلبي كل احتياجاتهم على جميع المستويات، من ميزانيات وأحياء سكنية للأصوليين وغيرها، رغم انه في السياق الطبيعي، فإنه على الأقل كتلة مثل "شاس" التي تحصد نسبة عالية من أصوات أحياء الفقر اليهودية، أن تكون في صدارة الحملة الشعبية، إلا ان "شاس" التي هدد زعيمها السياسي إيلي يشاي، تغيب كليا عن هذه الحملة، تحت ذرائع مختلفة، واهمها ان من يقود الحملة هم علمانيون أقرب إلى اليسار، وهذا لا يتماشى مع طبيعة جمهور "شاس".
الملفت للنظر أنه لم تمر ولاية برلمانية كالولاية الحالية، لا تشهد توترا بين اي من هاتين الكتلتين وبين الائتلاف الحاكم، وهذا بحد ذاته مؤشر إلى ترتيب اوراق مصالح هاتين الكتلتين ما يضمن هدوءهما على طول الفترة، كذلك فإن هاتين الكتلتين ككتلتي المستوطنين، تعتقدان أن هذه أفضل حكومة من حيث ضمان مصالحهما.
كتلتا المستوطنين
كتلة "هبايت هيهودي" من ثلاثة نواب، الشريكة في الائتلاف، وكتلة "هئيحود هليئومي" في المعارضة الشكلية ولكنها تدور في فلك الحكومة ولها اربعة نواب، وهناك مصالح مشتركة بينها وبين الحكومة، وبشكل خاص في كل ما يتعلق بالاستيطان ومطامع المستوطنين، اضافة الى التشريعات العنصرية، وكل واحدة من هاتين الكتلتين ليستا معنيتان في حل الحكومة، التي ترتكز إلى أغلبية يمينية متشددة، ولن تراهنا على انتخابات برلمانية مبكرة، قد تكون نتائجها اقل مما تحققه هذه الولاية البرلمانية.
ولهذا ليس صدفة ان البلبلة كانت واضحة في رد فعل المستوطنين على الحركة الشعبية، فبداية هاجم المستوطنون الحركة واتهموها باليسارية، ولكن بعد اتساع الحملة قرر قادة المستوطنين تغيير الاستراتيجية ومحاولة التقرب من الحركة الشعبية لضمان عدم اثارة الجانب السياسي فيها، ومن يتغلغل في صفوف المحتجين يلاحظ بشكل واضح مدى محاولات المستوطنين للوصول إلى قيادة الحركة وفرض أجندتهم، ومناهضة كل من يخالف آرائهم.
"كديما"
على المستوى الحزبي الداخلي فان "كديما" يواصل فترة "الهدنة" الداخلية على مستوى الصراع على رئاسة الحزب، بين زعيمته تسيبي ليفني ومنافسها شاؤول موفاز، الا ان الأخير يكثف في الآونة الأخيرة الظهور بمواقف وتصريحات لاذعة، مستغلا منصبه كرئيس اللجنة البرلمانية للشؤون الأمنية والخارجية، وماضيه العسكري كرئيس للأركان ووزير للأمن، ويسعى موفاز إلى كسب شعبية، وهناك شك في ما إذا سينجح بذلك، نظرا لطبيعة جمهور كديما.
ويلاحظ على "كديما" عدم الانضباط الداخلي والتلعثم في موضوع القوانين العنصرية والملاحقة السياسية، فمن جهة تدعي قيادة الحزب وخاصة ليفني معارضتها لهذه القوانين، ولكن من ناحية أخرى فإن نوابا بارزين في الحزب يشاركون بشكل قوي في طرح مبادرات ودعم قوانين عنصرية، ونستطيع القول إن كديما، صوته اعلى في ما يتعلق بقوانين الملاحقة السياسية، مثل مسألة مقاطعة المستوطنات ولجان التحقيق، بينما صوته أخف إلى درجة الغياب في ما يتعلق بالقوانين التي تستهدف العرب وحدهم.
كذلك فان لحزب "كديما" مشاركة خجولة في الحركة الشعبية نظرا لكون غلاء المعيشة والسياسة الاقتصادية المنتهجة في ظل هذه الحكومة، لا تختلف كثيرا عن السياسة الاقتصادية ذاتها التي اتبعتها حكومة "كديما" السابقة، وبناء عليه هناك شك في ما إذا ستكون لحزب "كديما" ثمار من هذا الحراك الشعبي مستقبلا.
"العمل" و"ميرتس"
ينهمك حزب "العمل" في هذه الأيام في الانتخابات الداخلية لرئاسة الحزب التي ستجري في منتصف الشهر المقبل أيلول/ سبتمبر، وعلى ضوء كثرة المتنافسين هناك شك في ما إذا سيكون بالإمكان حسم الانتخابات من الجولة الأولى، ولهذا فان الحديث عن مصير الحزب وطبيعة مستقبله، سيكون مرتبطا بشكل كبير ليس فقط في هوية الرئيس المنتخب وقدرته على استعادة قسط ما من قوة الحزب السابقة، وإنما أيضا في كيفية خروجه ككل من هذه الانتخابات على مستوى وحدته الداخلية.
إلا ان الحراك الشعبي يساعد حزب "العمل" في حضور أفضل نسبيا في الشارع الإسرائيلي، والمشكلة التي يواجهها ان زخم الحراك الشعبي كان في ظل غياب الشخص رقم واحد في الحزب، ولهذا فان الخطاب الحزبي في "العمل" في ما يتعلق بالحركة الشعبية، طغت عليه الحملة الانتخابية الداخلية.
ولكن هناك مؤشر ايجابي بالنسبة للحزب، وهو أنه في الاشهر السبعة الماضية، وعلى الرغم من التنافس الشديد بين مجموعة المنافسين على رئاسة الحزب، إلا أنه نجح في الحفاظ على وحدة كتلته البرلمانية، والسؤال المطروح: هل ستستمر هذه الوحدة أيضا بعد الانتخابات الداخلية، أي في الدورة الشتوية المقبلة.
اما بالنسبة لحزب ميرتس، فإن استطلاعات الرأي في السنة الأخيرة التي أشارت إلى ازدياد ما في قوته في أي انتخابات مقبلة، فإنه يراقب أيضا التطورات في حزب "العمل"، كونه كان المستفيد الأول من تراجع قوة "العمل" في الانتخابات البرلمانية، ولكن في ظل الحراك الشعبي، فإن الاستطلاعات أظهرت أن "العمل" سيعيد قسطا ما من قوته، وسيلجم "ميرتس" رغم ان الحديث يجري عن مقعد أو مقعدين لهنا وهناك.
الدورة الشتوية
تفتتح الدورة الشتوية في اليوم الأخير من شهر تشرين الأول المقبل، في ظل أجواء وتداعيات أحداث أيلول/ سبتمبر المرتقبة، في ما يتعلق بالحراك الفلسطيني في الحلبة الدولية والأمم المتحدة، دون معرفة مصير الحركة الشعبية التي تراجعت بشكل ملحوظ مع وقوع عملية إيلات، وباستثناء معالجة بعض القوانين الحساسة وخاصة العنصرية منها، والمناوشات الحزبية العادية والعابرة، فإننا سنكون امام دورة شتوية قد تكون ابرد من شتائها، فعادة الدورة الشتوية كان في مركزها اقرار الموازنة العامة، ولكن بعد اقرار موازنة 2012 في نهاية العام الماضي، فلن يكون حدث مركزي في هذه الدورة، خاصة على ضوء حالة التماسك الائتلافي.
