هكذا خاطب السيد المسيح تلاميذه وهكذا يجب أن يكون خطابنا للأخوة العرب المسيحيين في هذه البلاد. غاظني قبل مدة ما تفوّه به السيد جبريل رجوب من السلطة الفلسطينية عندما تطرّق إلى أبناء الطوائف المسيحية في فلسطين وفي إسرائيل بقوله: "جماعة الكريسماس".. وكأَن هؤلاء الجماعة دخلاء على العرب ولا يمتّون إليهم بصلة وكان شأنهم في الانتماء ليس كشأن المسلمين عربًا أولًا ودينًا ثانيًا. أقول هذا الكلام بمناسبة الأعياد المسيحية وبعد أن ذكرهم أكثر من صحافي في الجرائد الأسبوعية تحت عناوين:"ليبق الإنسان ملح الأرض"، "وابقوا زينة على جبين هذه البلاد" و "الوجود المسيحي في إسرائيل محدود الضمان".
ان ما أرمي إليه في هذا المقال هو بمثابة رد اعتبار لأخوتنا المسيحيين الذين ينتمون كالمسلمين في هذه البلاد إلى شجرة العروبة الباسقة والتي تمتد جذورها عميقًا عمق التاريخ إلى زمن السيد المسيح وزمن النبي محمد (صلعم)، حين كان المسيحيون الأوائل في جزيرة العرب وتحديدًا في اليمن واقصد بهم نصارى نجران وقبيلة الغساسنة في سوريا والشام وآخرون في انحاء الجزيرة العربية وفي فلسطين... وقد التقى الرسول (صلعم) ببعضهم أمثال "ورقة بن نوفل".. كان المسيحيون طيلة فترة الحكم الإسلامي جزءًا لا يتجزأ من الدولة الإسلامية، فعند قيام الإسلام وفي زمن الفتوحات خُيّروا بين البقاء على دينهم أو دخول الدين الإسلامي مثلهم في ذلك مثل اليهود وقد اختاروا البقاء على دينهم فاحترمهم الإسلام باعتبارهم أهل الكتاب الذين ذكروا في القرآن، وجاءت سورة "مريم" وقصة حملها بالنبي عيسى وسورة "يوسف" والأحداث التي مرّت باليهود اثباتًا على موقف الإسلام من المسيحية واليهودية، وقد حلل الله أكل اللحوم من ذبح المسيحي واليهودي.. ناهيك ان التاريخ يحدثنا عن الواقعة التي حدثت في المدينة المنورة زمن الرسول، حين حضر وفد من نصارى نجران إليه ليسمعوا عن الدين الإسلامي وليقرروا الدخول أو عدمه في الإسلام، وكان اختيارهم البقاء على دينهم.. وعندما حان وقت صلاتهم طلبوا من الرسول مكانًا يصلون به فَسمح لهم بالصلاة في المسجد..
هكذا كان المسيحيون طيلة فترة الحكم الإسلامي عربًا أولًا ومسيحيين ثانيًا وهذا الأمر أضاف قوة للدولة الإسلامية التي نادت بالتعددية واحترمتها وكان شأنهم في هذا شأن اليهود والشعوب والأقوام الأخرى في الدولة، فكان الإسلام بالنسبة لغير العرب وللمسيحيين واليهود دفيئة يتوفّر فيها نمو النبتة الإنسانية أيًّا كانت تعيش بحرية في التعبير والفكر ومن ثمّ في الإبداع. هكذا تطورت، الحضارة العربية الإسلامية، بكل مركباتها في العلم والدين والفلك والكيمياء والرياضيات... إلخ وكان علماؤها خليطًا من عرب وغير عرب ومن مسيحيين ومسلمين ويهود وبهذا أثْرَت وأغْنَت العالم فيما بعد ومهدت للحضارات والاكتشافات العصرية اليوم. وقد ساهم وجود التعددية والمناخ المناسب في تطورها وفي رسم لوحة جميلة متكاملة من الفسيفساء تزينها التعددية، من حيث الانتماء الديني والقومي والعرقي واللغوي، دون تفريق بين إنسان وآخر، وما كان يجمع بين جميع هذه المركبات الإنسان في داخل كل إنسان ولون الدم المتشابه عندهم جميعًا ونحن هنا في إسرائيل كأقلية قومية اصلانية نؤكد لأنفسنا الانتماء العربي والقومي أولًا ونؤكد الانتماء الفلسطيني ثانيًا ونؤكد الانتماء الطائفي مسلمين ومسحيين ثالثًا..
ونخاطب اخوتنا المسيحيين كما خاطبهم الأخ مأمون فاعور في مقاله في "حديث الناس" أخيرًا حيث يقول: "لتبقوا زينة على جبين هذه البلاد" هادفًا من وراء ذلك تأكيد أهمية الوجود المسيحي في مهد المسيح" إذ لا يُعقل ان نتصوّر خلو مهد المسيح من المسيحيين، تمامًا كما هو ليس منطقيًا ان نتخيل مكة والمدينة دون مسلمين ونحن بدورنا نؤكد لهم قول السيد المسيح: "أنتم ملح هذه الأرض"... أنا لا أسعى من وراء ذلك نيل وسام أضعه على صدري أو تاج أزيّن به جبيني بل أقول ذلك مقتنعًا وبروح القرآن الكريم والدين الإسلامي الحقيقي والحديث النبوي الشريف.
أقول ذلك لأني أرفض التوجه العنصري الضيق الذي يصدر عن بعض المتزمّتين وأرفض مقولتهم بأن الدين عند الله الإسلام، لأن هذا الكلام انطبق في حينه على غير اليهود وغير المسيحيين حين خيّروا بين دخول الإسلام أو القتل ولا ينطبق على المسيحيين واليهود الذين جاء الاعتراف بهم من الله تعالى وورد في القرآن الكريم بأن دياناتهم مقبولة عند الله ومقبولة علينا نحن المسلمين المتنورين. لقد أعجبتني في الفترة الأخيرة الهبّة المباركة التي بادر إليها بعض المسلمين في المساجد والمراكز الجماهيرية من حيث مشاركة المسلمين المسيحيين بعيد الميلاد وإقامة فعاليات تتصل بالموضوع وبحضور جمهور ورجال دين من الطرفين. وعلى سبيل المثال أذكر ما قامت به بلدية الناصرة وما عملته احتفاءً بعيد الميلاد، وما قام به شيخ إعبلين و "جمعية السلام" حيث أُقيمت أمسية ميلادية فريدة في جامع القرية وحضرها جمهور غفير من الناس ومن رجال الدين المسيحيين والمسلمين، وهذه الفعالية تسهم في اضفاء روح المحبة والتسامح بين الناس على اختلاف عقائدهم والمتوقع مستقبلًا ان تقوم الكنيسة بفعالية مشابهة كأن تكون رمضانية أو بمناسبة عيد "الأضحى والمولد النبوي". هذا بالإضافة إلى دور الإعلام في ذلك وتخصيص خطبة الجمعة للتكلم عن ميلاد المسيح وامه مريم كما حدث في الجامع الأبيض في الناصرة وسمعها الناس على الأثير من خلال إذاعة "الشمس".
وعودة إلى موضوعنا الرئيسي في هذا المقال وتأكيد ضرورة التغلّب على الأفكار المسبقة عند كل طرف من أطراف الديانات الثلاث التي تسود هذه البلاد. فإن الانتماء الوطني والقومي يجب أن يكون سائدًا ومتقدمًا على الانتماء الطائفي، فالانتماء الأول مشترك للجميع والانتماء الثاني يؤكد العامل المختلف بين الناس وكما قيل الدين لله والوطن للجميع، ووجود انتماءات متعددة في المجتمع ظاهرة صحيّة ومفيدة أكّدها القرآن الكريم في الآية التي تقول: ".. وخلقناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا"، ولنا فيما حدث في القرن التاسع عشر والقرن العشرين الدليل على ذلك، فقد كان العرب يعيشون في ظلمة وليل حالك تحت حكم الأتراك ومحاولة تتريك العرب.. حيث لعبت الإرساليات المسيحية التي وصلت إلى الشرق دورًا كبيرًا في نشر العلم والثقافة، فقد عملوا على فتح المدارس التي تعلّم فيها مسلمون ومسيحيون على السواء وتخرّج منها دعاة النهضة العربية والفكر الحديث الذين ساهموا في نشر الثقافة بين الناس في لبنان وسوريا ومصر وفلسطين، والأسماء التي ساهمت كثيرة نذكر منها على سبيل المثال جورجي زيدان وخليل مطران ومي زيادة وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وعائلة البستاني والآباء اليسوعيين... فكان ما يجمعنا مسلمين ومسيحيين اننا عرب أبناء قومية واحدة وانتماء وطني واحد دون أن يكون للدين دور سلبي للتفريق بيننا وكان وما زال شعارنا حتى اليوم الوقوف أمام السياسات التي تدعو إلى التفرقة وإلى تمزيقنا وإلى اغفال العامل الوطني والقومي المشترك بيننا. ان المطلوب اليوم هو التّصدّي لمحاولات طمس الهوية القومية العربية عند المسيحيين واستبدالها بالهوية الآرامية. لتبق العروبة تجري في عروقنا مسلمين ومسيحيين وليبق الإنسان فينا هو الأساس الذي يحركنا في علاقتنا بعضنا بعضًا ولتبقوا أنتم إخوتنا المسيحيين ملح الأرض دائمًا وزينة على جبين هذه البلاد.
