زار المبعوث ميتشيل فلسطين وما حولها خلال العام الذي مرّ على تولي أوباما الرئاسة اثنتي عشرة مرة، أي بمعدل زيارة كل شهر، ودشن بزيارته الراهنة العام الجديد لكن بقليل من التفاؤل، لأن هذه الزيارة تزامنت مع تصريح لأوباما في مجلة "التايم" قال فيه إنه لم يستطع أن يجد حلاً للصراع العربي الصهيوني، وليس مهما التلاعب بالمترادفات اللفظية، فعدم الاستطاعة فشل بامتياز، فما الحكاية؟ وما الذي جرى خلال الأشهر الأخيرة من عام أوباما الأول؟ بحيث أصيب بهذا الإحباط، فهو لم يغلق غوانتانامو كما وعد، ولم يحقق الكثير من الوعود التي أخذها على عاتقه بحيث أوشك في نظر البعض أن يتحول عرقوب الأسمر الذي يقول ولا يفعل، وقد يضطر إلى قول كل شيء دفعة واحدة وبأسلوب بلاغي كما فعل في جامعة القاهرة كي لا يقول شيئا محددا .
والصراع الذي أخفق في حله، أو وضع حد له، عشرات الزعماء من مختلف القارات وخلال أكثر من ستة عقود لن يكون أوباما هو مجترح المعجزة، والذي يفلح في ما أخفق فيه أسلافه .
لقد استقبل الفلسطينيون ميتشيل هذه المرة بتحفظ وقليل من الترحيب، لأنه لم يفلت من شروط نتنياهو وحكومته، بحيث أصبح الضغط كله على الفلسطينيين، وعليهم لكي يلقى حجر في مستنقع السلام المتخثر أن يقبلوا بكل ما هو مطلوب بدءا من التخلي عن القدس وحق العودة وانتهاء بقبول الاستيطان كأمر واقع .
لن نذهب بعيدا ونتحدث عن لعنة ما تلاحق من يتصدون لهذا الصراع، فالمسألة ليست أسطورية أو حتى متاخمة للأساطير، إنها من صلب هذا التاريخ ومن صميم واقع دولي يرفض المتفائلون أن يروه على حقيقته ويعوّلون على أي شخص يقول لهم وجدتها، لكن هذا الأرخميدس الذي رأى شيئا ما يطفو على حوض مليء بالدم لا بالماء لم يولد بعد، وفيزياء التاريخ لها نيوتوناتها وانيشتايناتها وأرخميديساتها أيضا، فالجاذبية هي ذاتها لكن ما يتم استدراجه للسقوط ليس حجرا أو أي شيء آخر، إنه حقيقة هذا الصراع البسيطة والواضحة، لكن المغطاة بكل هذه الثرثرة السياسية .
عندما أمسك أوباما عنقه وكرر الوعود تحفظ بعض الناس من العارفين بشعاب الولايات المتحدة، وضغوطات اللوبي اليهودي فيها واستراتيجيات دوائر مخابرتها والشركات الكبرى التي ورثت الشقيقات السبع على كل ما سمعوا، وهم يدركون أن الرجل ليس زعيما من العالم الثالث يقول ويفعل ما يشاء وأن الضوابط والكوابح وبالتالي المصالح المقدسة للإدارة الأمريكية لا تتيح لأوباما أو سواه أن يتصرف على هواه ووفقا لقناعاته أو مزاجه الشخصي .
لم يفاجئنا أوباما بما قاله لـ "التايم"، ولم يفاجئنا مبعوثه بما حمل من إدراق وشروط رأى الفلسطينيون أنها تعجيزية بمقياس ما وأنها إعادة خلط للأوراق بمقياس آخر، ولا ندري لماذا يتهرب جميع الأطراف من تسمية الحقيقة باسمها، وهي ماثلة بكامل لحمها وعظمها، فاسرائيل تتعامل مع هذه الفترة على أنها الفرصة الذهبية غير القابلة للتكرار، وعليها أن تحقق المؤجل من أحلامها قبل أن يتغير شيء جوهري على صعيد الإقليم أو على المستوى الدولي .
فالعرب بالنسبة لنتنياهو الآن وجناحيه براك وليبرمان في ذروة الضعف والتذرر لأنهم مشتبكون مع أنفسهم، وأوشك الصراع العربي الصهيوني أن يصبح هامشيا أو على الأقل ثانويا في أجنداتهم، لهذا فإن متوالية الابتزاز التي يمارسها نتنياهو الآن استكمالاً لسابقيه متوقعة، ويجب أن لا نفاجأ بها، فالمناخ ملائم تماما للصيد والماء العربي عكر بما يكفي لتجريب كل أدوات القَنْص .
وبانتظار الزيارة العشرين للسيد ميتشيل كي نتأكد من أن العسل لا يأتي من الدبابير .
خيري منصور
