دلفة السلطة ومزراب السلطات

single

كان ميدان التربية والتعليم الخاص بالجماهير العربية في إسرائيل أحد أهم الميادين التي عملت المؤسسة الإسرائيلية، لا سيما أذرعها الأمنية، لإحكام السيطرة عليها وذلك من خلال آليات متعددة وعلى جهات مختلفة.

بدايةً، كانت سياسة مرسومة تهدف إلى تهميش الانتماء القومي لهذه الأقلية ونشر سياسة العدمية  القومية وكذلك التدخل السافر والمباشر بتعيين المعلمين والمدراء وحتى أبسط الموظفين والمشغلين في المدارس العربية وأقسام التربية والتعليم القائمة في المجالس والبلدات العربية.

تاريخ هذه الشريحة العامة من مجتمعنا حافل ومليء بالحكايا والروايات وأولئك الذين عوقبوا وقطعت أرزاقهم من معلمين ومدراء، لا لجرم ارتكبوه، إنما لإصرارهم ألا يغردوا مع أسراب بغاث الطير، ما زالوا أحياءاً بيننا وسيرهم حتى وان رحلوا، أناشيد عز، يا حبذا لو تعرفها أجيال اليوم والمستقبل.

لم يكن سهلاً الوقوف في وجه هذه السياسات القامعة ولكن كان واضحاً للقيادات الوطنية لهذه الجماهير وجوب التصدي لهذه الممارسات، فإن هزم مجتمعنا بعلمه وثقافته، لن يكون هذا، إلا أجساماً جوفاء لا هامات لها ولا كيان.

ما زال الصراع جارياً ولكننا لا نستطيع أن لا نسجل ما طرأ من تغيير إيجابي وإنجازات أحرزت فبرامج التعليم عدلت وبقي الكثير ينتظر التغيير والتعديل وأساليب تعيين المعلمين والمدراء تبدلت، لأسباب كثيرة وأهمها ما استجد على الساحة القانونية ومواقف المحاكم في هذا الشأن وغيرها.

وعلى الرغم من أيادي المؤسسة الإسرائيلية ما زالت قادرة على حسم الكثير من القضايا والأمور، إلا أن المنحى العام أتاح ويتيح للمتأذين من هذه السياسات هامشاً من تحدي الظلم والعبثية وأحياناً يسفر هذا التحدي عن إنصاف المتظلم.

بالمجمل، ولا نية لي هنا استعراض نواقص وامتيازات هذه التجربة، نستطيع وضع أصابعنا على بعض من النوافذ المضيئة ونقر، والكثير ما زال مقلقاً كما قلت، أن ما كنا  نقاتل من أجله وإن لم يحرز برمته ارتقى ليصبح مسألة تخاصم تدافع فيها مؤسسات الجماهير العربية من أجل إضافة التحصيل والإنجاز وخصمها دائماً سياسات الدولة وما يتم عنها من تمييز وقمع. كذلك نشهد اتساع حيز الفرد المتأذي وهامش مقارعته لتلك القرارات التعسفية.

لا للتجهيل ولا للطمس، كان الشعار العام ولا للعنصرية والقمع والتهديد والوعيد كان الشعار الخاص، فالرجل/ المرأة، المناسب/ة في المكان المناسب. هكذا كانت المطالب وعلى هذا توحدت الكلمة والنضال. نشدنا مربين/معلمين أحراراً لأبنائنا، لا إمعات خنوعين لأسياد يمنون عليهم بلقمة العيش والوظيفة.

اليوم، أخالني ونحن نحاول أن لا نبقى تحت دلفة المؤسسة الإسرائيلية، نبلى بمزراب مؤسساتنا ومن يقف على رأسها، فما حقق ويحقق على ساحة النضال مع الدولة نفقده في ساحاتنا، ساحات مجالسنا ومدارسنا.

من باب الشائع والمعروف أن غالبية إدارات المجالس المحلية العربية تمارس ما صبونا اقتلاعه وتمنينا زواله. فكم قرأنا عن قضايا تعيينات لمدراء مدارس أو لمعلمين في سلك التعليم في هذه البلدة أو تلك وكانت هذه التعيينات مسار تخاصم وانتقاد علني وبعضها تحول موضوعات للتقاضي في محاكم الدولة، لا تخلو إدارة إلا وشابها هذا العيب، فرؤساء مجالس تنتخب على ظهر صفقات ووعودات تكال لفلان أو علان، وشأنها توظيف هذا معلماً أو مديراً، على أن يضمن الـ"هذا" مجموعته، لتدعم هذا الواعد، المضحك المبكي أن تعطى الوعودات أحياناً وعلى نفس الشاغر لأكثر من جهة، فما دامت الغاية الجلوس على الكرسي فكل شيء يهون لان من يبيع ضميره ويبخس سعره يفقد حقه في التلويم على من وعد ونكث.

القضية التي نحن بصددها لا تنحصر بكون هذه الظاهرة رشوةً بالمعنى القانوني أو خطيئة بالمعنى القيمي/الأخلاقي، فهذه الظاهرة تحولت في مجتمعاتنا إلى آفة  ومصدر إفساد رئيسي لما تسببه من خلافات بين الفرقاء المتنافسين الطامعين بالوظيفة الموعودة، فعندما تزول قاعدة الكفؤ في المكان المناسب تباح القيم وتباع الذمم ويستشري الفساد.

وعندما تمارس هذه الفواحش في مؤسساتنا التربوية والتدريسية فالمصيبة أكبر، لأن من يفوز بعمله عن غير كفاءة واقتدار ولاؤه يكون أبداً لولي نعمته فلا ضمير يسيّره ولا عقل يفكر به ولا مصلحة يرتجي إلا مصلحة السيد.

إذا، ها نحن نشاهد أن السيد المدعو موشيه أو عوزي أبو فلان أو ..أو... والذي حاربنا ليكف أيديه وأيدي مؤسسته عنا، يستبدل بسيد وأيد منا ومن صلبنا. فالسيد الجديد منا والأيدي منا وما لم ينجح به القيمون على سياسات القمع يقدمه لهم هؤلاء الفاسدون والمفسدون.

المؤسف والمستفز هو ذلك الصمت الرهيب المتملك بألسن الأكثرية، التي تشاهد وتشيح النظر، فما لي  ما دمت خارج اللعبة وأولادي قد انهوا تعليمهم وما إلى ذلك من حجج يرددها البعض في نفوسهم، والأولى بهم وبنا جميعاً أن نعي أنه إذا اعتل عضو في الجسم الواحد بمرض عضال سيأتي هذا حتماً على كامل الجسد.

إن الحال الموصوفة أعلاه مستشرية في معظم بلداتنا ومن لا يصدق فليأتِ إلى كفرياسيف ويستحم بمزرابها ودلفتها، فما دامت هنالك مزاريب حتماً سيبقى الدلف موجوداً ... هكذا هي الطبيعة. ولا شو رأيكم؟

كفرياسيف

قد يهمّكم أيضا..
featured

لماذا أغفل المؤرخون "انتفاضة مارس التاريخية" المظفَّرة عام 1955

featured

ما أصعبَ أن يدفن الآباءُ الأبناء

featured

"عائد الميعاري يبيع المناقيش في أرض الزعتر"

featured

هل يفعلها يشاي على الجاعد؟

featured

ماذا وراء تهديدات بنيامين نتنياهو البلطجية !

featured

إعتراف إسرائيلي واضح!