لماذا أغفل المؤرخون "انتفاضة مارس التاريخية" المظفَّرة عام 1955

single


سيظل "الأول من مارس" من الأيام الخالدة والمتوهجة بالمجد في السجل النضالي لشعبنا وحزبنا المجيد وهو عصي على النسيان صنعته إرادة رفاقنا المناضلين الذين قدموا أرواحهم قرابين فداءً لوطنهم وهو رمز للحرية الحمراء والفجر المشرق.
وسيشكل دافعًا ومحركًا لأجيالنا الثائرة التي هي قوة الحاضر وأمل المستقبل والتي ترنو أبصارها وأفئدتها إلى الغد الأفضل تستمد منه معاني الحرية والكفاح وقيم النضال والتضحية والشهادة من أجل عزة الوطن وكرامته.
تطل علينا ذكرى "انتفاضة مارس التاريخية" الباسلة المظفرة فجرًا نديا، معطرا بعبق الورود والياسمين، تتجدد عندها طموحات أبناء شعبنا وآمالهم في الحرية والاستقلال وبمستقبل أكثر إشراقًا.
هذه الانتفاضة الباسلة فجرها الشيوعيون وحلفاؤهم عام 1955 بقيادة الرفيق المناضل معين بسيسو أمين عام الحزب آنذاك والتي حملت شعارات "لا توطين ولا إسكان... يا عملاء الأمريكان"، "العودة... العودة حق الشعب". وشهدت اكبر مظاهرات عرفها تاريخ قطاع غزة وسقط فيها أكثر من 30 شهيدا على رأسهم الرفيق حسني بلال وهو أول شهيد وطني ضد مشاريع التوطين والرفيق المناضل يوسف أديب طه عضو الشبيبة الحزبية و الذي رفع العلم الفلسطيني على مقر الحاكم العسكري فما كان من احد رجالات الشرطة سوى إطلاق النار عليه فسقط شهيدا.
هذه الانتفاضة استطاعت إسقاط مشروع توطين اللاجئين في سيناء وإفشال المؤامرة التي كانت تحاك ضد الشعب الفلسطيني وتصفية حقوقهم وإغلاق ملف القضية الفلسطينية
ولكن ما هو مشروع توطين اللاجئين في سيناء؟ وماهي خطورته؟ وكيف استطاع الشيوعيون وحلفاؤهم إسقاطه؟ في هذا المبحث سنسلط الضوء على هذه المحاور بالتفصيل.


*مشروع توطين اللاجئين في سيناء*

بدأت مباحثات بين الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة المصرية ومندوبي وكالة الغوث اعتبارا من عام 1953، وتم طرح مشروع مفصل لتوطين لاجئي قطاع غزة في صحراء سيناء ورغم أن تفاصيل المشروع ظلت طي الكتمان في ذلك الوقت حول هذا المشروع ولكن تحول بعد ذلك إلى (تهديد ووعيد) للجماهير الشعبية والمحرضين الشيوعيين، إذ انهم كانوا التنظيم الوطني الوحيد.
الحزب يعلن في مؤتمره الأول تبنيه قضية فضح المؤامرة وإسقاط مشروع التوطين
وفي عام 1953 وصل تقرير تحويل فرع عصبة التحرر الوطني الفلسطيني في قطاع غزة إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، وفي مؤتمره الأول وضع الحزب قضية التحرر الوطني وتنفيذ قرار 181 (قرار التقسيم) وقرار 194. الخاص باللاجئين وعودتهم إلى ديارهم والعمل على إفشال المؤامرات كافة التي تحاك لتصفية قضيتهم في مقدمة أهدافه ونضالاته، وأدرك الحزب سريعا ان هناك مؤامرة تحاك لإعادة توطين اللاجئين وإغلاق ملف القضية الفلسطينية وأدرك كذلك استمرار الحالة المزرية لمخيمات اللاجئين ومحاولات وكالة الغوث للضغط على اللاجئين في قطاع غزة من اجل قبول مشروع التوطين وتبنى الحزب في أدبياته وفي نشاطات أعضائه قضية فضح المؤامرة والعمل على إسقاط المؤامرة، ونشط الحزب في جمْع آلاف التواقيع على عريضة تعلن رفض الموقعين لأي مشروع يستهدف إسقاط القضية الفلسطينية وتوطين اللاجئين في غير وطنهم وكانت العريضة أول تحدٍّ للإدارة العسكرية المصرية في قطاع غزة وجرت مطاردة الشيوعيين رافقتها حملة واسعة النطاق لإجبار الموقعين على سحب توقيعاتهم إلا ان جهود الإدارة المصرية ذهبت هباء.
وبالتساوق مع مشاريع التوطين المختلفة.. فان اسرائيل كانت تصعِّد من اعتداءاتها على قطاع غزة وخصوصا على مخيمات اللاجئين، وفي 29/8/1953 قامت القوات الاسرائيلية بشن غارة وحشية على مخيم البريج للاجئين وكانت حصيلة العدوان 26 شهيدا ذبحوا ذبحا وهم نيام إلى جانب عشرات الجرحى، وهبت جماهير المنطقة الوسطى (البريج – المغازي – النصيرات – دير البلح) في مظاهرة ضخمة كان على رأسها الشيوعيون ورفع الحزب مطالب عدة أهمها العمل على تسليح المخيمات حتى تتمكن الدفاع عن نفسها كما طالب أيضا برفض أي مشروع لتوطين اللاجئين خارج ديارهم التي شردوا منها، ونتيجة لهذه الاحتجاجات والمظاهرات الصاخبة فقد أدى ذلك إلى إجبار الإدارة المصرية على تشكيل اول كتيبة فلسطينية.
ومع نهاية عام 1954 أصبح واضحا للحزب أن الاتفاق قد تم بين الحكومة المصرية والولايات المتحدة الأمريكية على تنفيذ الجزء الخاص بقطاع غزة من مشروع "جونسون" لتوطين اللاجئين وبدأ الحزب بالإعداد لإفشال هذا الاتفاق.
وفي منتصف شباط عام 1955 تمكن رفاقنا من الحصول على تقارير وكالة الغوث باللغة الانجليزية كتبه خبراء وكالة الغوث ومهندسوها وترجمه الرفيق المناضل سعيد فلفل والتي تؤكد على استحالة الحياة في تلك المنطقة لقلة المياه، ورغم ما كتبه أطباء وكالة الغوث عن الأمراض التي ستدهم حياة اللاجئين فان التقرير حمل موافقة الخبراء على المضي في تنفيذ هذا المشروع الذي بموجبه بدأ بناء المساكن وفحص المياه هناك، هذه التقارير التي أكدت على عدم صلاحية سيناء لإسكان اللاجئين قد تسلمها الرفيق معين بسيسو الأمين العام للحزب آنذاك.


*خطوات الحزب لإسقاط المؤامرة*

اتخذت اللجنة المركزية قراراتها بطبع هذه الوثيقة وتوزيعها على شكل منشور جماهيري واسع كان تحضيرا وتهيئة وتحريضا لانفجار هبة مارس/آذار كما سميت في حينها مع إيضاح موقف الحزب من هذه المؤامرة المستند إلى اعترافات المهندسين وأطباء وكالة الغوث باستحالة الحياة في تلك المنطقة.
ففي 21/1/1955م اصدر الحزب منشورا جماهيريا يكشف تفاصيل المؤامرة ويدعو إلى اليقظة والاستعداد لمواجهتها وقد كانت الأوضاع المزرية اللاإنسانية التي يعيشها اللاجئون في المخيمات ومحاولات الإذلال المستمر، واستمرار الهجمات الإسرائيلية على المخيمات حيث يذبح الناس بلا شفقة أو رحمة وتردي الأوضاع الاقتصادية كل ذلك أدى إلى تشكيل قاعدة جماهيرية عريضة للانتفاضة "الهبة" القادمة وكان الحزب يعمل ليل نهار في التحضير لتلك الانتفاضة.
الشرارة الأولى للانتفاضة العارمة: في مساء 28/2/1955 قامت القوات الإسرائيلية بارتكاب مذبحة قرب محطة السكة الحديدية في غزة حيث قتلت سبعة عشر جنديا فاجأتهم وهم نيام والتي كانت تستهدف الضغط على الجماهير الفلسطينية القبول بمشروع التوطين.
وعند البوليس الحربي جنوب قطاع غزة استطاع كمين إسرائيلي قتل 56 جنديا فلسطينيا من الحرس الوطني. وبدعوة من الحزب انطلقت المظاهرات في الأول من آذار/مارس عام 1955 وفي الصباح تحول خبر المذبحة إلى الشرارة الأولى للانتفاضة العارمة حملت شعار "لا توطين ولا إسكان... يا عملاء الأمريكان"، "العودة... العودة حق الشعب" وجابت المظاهرات والمسيرات شارع عمر المختار بغزة. تهتف ضد مشروع التوطين وتطالب بإقامة جيش وطني فلسطيني لحماية الحدود وإطلاق الحريات العامة للجماهير.


* الرفيق حسني بلال أول شهيد وطني ضد مشاريع التوطين*


وبدأت الشرطة والمباحث وجنود الجيش المصري بالتصدي للمسيرة وقررت السلطة أن تواجه الحناجر.. بالرصاص وبدأوا بإطلاق النار على المتظاهرين وصوبوا بنادقهم على قائد المسيرة الرفيق معين بسيسو الذي كان على رأس المظاهرة وسقط الرفيق حسني بلال. فداءً للشعب والوطن ومن اجل دفن مؤامرة التوطين وفي هذه اللحظات هب معين ممزقا قميصه وفاتحا صدره للرصاص وهو يهتف:
الدم.. دم دم... سال الدم... دم دم، عاش الدم
يا فم حسني بلال... الدم سال وقال
الموت للرجعية... والموت للاحتلال


*إذاعة لندن تعلن أن الشيوعيين يسيطرون على ساحل قطاع غزة*

وتلاحمت جموع الشعب في اكبر مظاهرة عرفها تاريخ قطاع غزة والتي سقط فيها أكثر من ثلاثين شهيدا، وبدأت اللجنة الوطنية العليا، واللجنة المركزية للحزب بالاستمرار في المظاهرات وإصدار التوجيهات للإعداد للأيام القادمة من قرية بيت حانون شمالا وحتى رفح جنوبا وتفجرت المظاهرات الصاخبة المتوعدة وأعلنت رفضها الحازم للمشروع.
في صباح اليوم الثاني أعلنت إذاعة لندن أن الشيوعيين قد باتوا يسيطرون على كل الشريط الساحلي في قطاع غزة ،  ومع فجر اليوم الثاني من آذار اجتاحت المظاهرات الصاخبة مدينة غزة بعرضها وطولها، واشتركت في تشييع جثمان الرفيق الشهيد حسني بلال. وبدأت القوات المصرية بالتصدي للمظاهرات، وعلى نعش الشهيد حسني بلال وكأنهم أرادوا أن يقتلوه أكثر من مرة. وتحولت جنازة الشهيد حسني بلال إلى عرس وطني، وتحول دمه إلى زنابق حمراء تزين صدور قادة الغضب الجماهيري.
في المنطقة الوسطى – النصيرات والبريج والمغازي ودير البلح اندلعت المظاهرات كان على رأسها الرفيق المناضل عبد الرحمن عوض الله، واتجهت إلى دير البلح حيث مقر الحاكم العسكري واستطاعوا بالقوة الإفراج عن المعتقلين الذين اعتقلوا بداية الهبة وقد رفع الرفيق المناضل يوسف أديب طه عضو الشبيبة الحزبية العلم الفلسطيني على مقر الحاكم فما كان من احد رجالات الشرطة سوى إطلاق النار عليه فسقط شهيدا.


*إفشال المؤامرة وإسقاط مشروع التوطين*

في يوم 5/3/1955 أصدرت الإدارة المصرية قرارا بفرض منع التجول في القطاع إلا ان المظاهرات والهتافات القادمة من المخيمات الوسطى أفشلت منع التجول، وظلت نيران الانتفاضة تتأرجح رغم كل شيء وبدأت الأوضاع تأخذ في التعقيد، هذه الأوضاع التي سيدفع ثمنها شعبنا غاليا، إن لم يكن هناك مواقف حكيمة ومسئولة، وبدأت المفاوضات لجسر الهوة بين قيادة الجماهير ومواقفها العادلة، وموقف الإدارة المصرية.

وتركزت مطالب الجماهير الشعبية وقيادتها حينذاك فيما يلي:
1. إلغاء مشروع التوطين في سيناء فورا.
2. تدريب وتسليح المخيمات الفلسطينية لتتمكن من الدفاع عن نفسها.
3. فرض التجنيد الإجباري وتشكيل جيش وطني فلسطيني.
4. محاكمة المسئولين عن الذي أمر بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، وقتل الشهيد حسني بلال.
5. إطلاق الحريات العامة، وعلى رأسها حرية الاجتماع والتعبير والإضراب.
وافقت الإدارة المصرية على إلغاء مشروع التوطين، بعد أن رفضه بالإجماع الشعب الفلسطيني، واعتبرت قيادة الانتفاضة أن إفشال المؤامرة "مشروع التوطين" هو انتصار حاسم لحركة الجماهير الشعبية وفي طليعتها الشيوعيون، وتحولت دماء حسني بلال إلى نيران أحرقت مشروع سيناء، واضطر صانعوه أن يدفنوه ويقبروه إلى الأبد، ممتزجة تلك الدماء بدماء الرفيق الشيوعي الطالب يوسف أديب طه الذي كان طالبا في الرابع الإعدادي في مدرسة النصيرات. وبدماء الشهداء كتبت شهادة ميلاد جديدة لهذا الشعب، وسطرت شهادة للعالم اجمع أن الشعب الفلسطيني "شعب لا يقهر" وسيُسقط كل المؤامرات التي تستهدف وجوده وقضيته الوطنية.
ولكن يبقى السؤال الرئيسي في هذا المبحث ماثلا أمامنا.. لماذا أغفل المؤرخون هذه الانتفاضة المظفرة التي استطاعت إسقاط مشروع توطين اللاجئين في سيناء وإفشال المؤامرة التي كانت تحاك ضد الشعب الفلسطيني وتصفية حقوقهم وإغلاق ملف القضية الفلسطينية والتي سقط فيها هذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى وعذابات القادة والمناضلين لهذه الانتفاضة الباسلة و الذين اعتقلوا لسنوات طويلة.. والذين واجهوا الموت البطيء في السجون والمعتقلات والمنفى وأقبية التحقيق السوداء.



//المراجع:


- دفاتر فلسطينية - معين بسيسو.
- فيض من الذاكرة - عبد الرحمن عوض الله.
- نشرة عن الرفيق المناضل حسني بلال اصدرتها كتلة اتحاد الطلبة التقدمية.
- معين بسيسو.. البطولة والتضحية - فيلم وثائقي إنتاج كتلة اتحاد الطلبة التقدمية.
- صهيل الجراح - عبد الرحمن عوض الله.
-85 عاما من النضال الوطني.. حزب الشعب الفلسطيني - شامخ بدرة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

المطالبة الأميركية بالمفاوضات المباشرة

featured

سيدفع جميع الأثمان

featured

"اتحاد الكتاب" بين العصبويّة الفئوية والانفتاح

featured

الزيتون المرّ!!

featured

لمواصلة محاصرة الاستيطان، وحكومته!

featured

من بلعين إلى فلسطين

featured

ألسنة متطاولة على تونس

featured

بِنْحِبِّكْ يَمَصْر..! كَمْ نُحِبُّكِ..!