الزيتون المرّ!!

single

شباب فلسطينيون يخدمون نيرانًا أشعلتها العصابات الفاشية في نابلس، هذا الأسبوع

لم يخطر ببال الشاعر الروماني أنّ ذلك الراعي الذي أفسد الفرح وافزع العذارى هو المستوطن الصهيوني الذي يكره الزيتون لمعرفته بأنه لم يزرعه

لم يكن المؤتمر الصهيوني الاول في بال قد عقد، ولم تكن الامبريالية الغربية ووريثها الامريكي قد حولا هذا الكوكب الى كعكة شطرت بالسكين الى خطوط طول وعرض وتضاريس سياسية جديدة، ولم يكن السيدان سايكس وبيكو قد ولدا عندا كتب الشاعر الروماني اونيد كتابه الشهير بعنوان مسخ الكائنات، فالرجل ينتسب الى امبراطورية غاربة لم يبق منها سوى الاطلال هي الامبراطورية الرومانية وكان الامبراطور اوغست قد نفاه الى ارض لا حدود فيها بين الفصول وهي اقرب الى الجحيم عقابا له على كتاب فن الهوى.
والفلاحون العرب يعرفون ان هناك لوزا مرا وزيتونا مرا ايضا، وان كان لهذه المرارة سيرة نباتية تتعلق بالسلالات فالامر مختلف بالنسبة لصاحب مسخ الكائنات ففي احدى حكاياته يقول ان عددا من العذارى الجميلات في بلاد تعج باشجار الزيتون كن يذهبن ساعة الغروب او الاصيل الى غدير ماء وهناك يضحكن وهن يتبادلن القصص عن الحب واحيانا ينهضن من القرح ليتخاصرن ويرقصن ويغنين باصوات عذبة يقطر منها الشعور بالامن، ثم اكتشفن ذات غروب ان هناك راعيا وحشيا وغريبا يتبرص بهن خلف الشجر، وحين صرخن عليه لانه افسد عليهن الهدوء والانسجام والامان تحول الى حيوان بري، واسمعهن اسوأ الكلام وهاجمهن بهرواته.
وتنتهي حكاية اوفيد عند عبارة اخذت بعد قرون طويلة دلالة جديدة وسياسية شرق البحر المتوسط، قال.. منذ ذلك الغروب الحزين اصبح الزيتون مرا..
بالامس تذكرت حكاية اوفيد، وعدت الى مسخ الكائنات بعد ان شاهدت المستوطنين او الرعاة المتوحشين يحرقون اشجار الزيتون في نابلس وما حولها..
بالطبع لم يخطر ببال الشاعر الروماني العاشق ان هذا سوف يحدث بعد مئات السنين وان ذلك الراعي الذي افسد الفرح وافزع العذارى هو المستوطن الصهيوني الذي يكره الزيتون وذلك لمعرفته بانه لم يزرعه فالسارق يخشى من اية قرينة لجريمته لهذا يخاف اذا سمع حفيف الزيتون ويظنه فحيحا، لان تربى على الخوف من كل شيء حتى من الخوف نفسه كما قالت يانيل دايان ابنة الجنرال موشي دايان في روايتها طوبى للخائفين، والمستوطن لا يخاف فقط من شجر لم يرزعه لكنه يحصده ويجلد اغصانه حتى اخر ثمرة بل يخاف التراب ايضا لانه مليء بالكمائن ومجبول بدم ورميم اهل البلاد الذين كان التراب توأمهم منذ البدء، لهذا فهو يسعى ايضا الى تجريف هذا التراب، ولو استطاع ان يستبدل الهواء ايضا لفعل لان ذلك الهواء مشبع باصداء رسولية، وباصوات من صميم الابجدية الخالدة.. وهو ايضا خاف من اطلال القرى فاستأصلها بالجرافات لان صرير كل باب من ابوابها يذكره بانه طارئ وغريب ولص ولا اعرف بالضبط ما الذي لا يخافه ذلك المستوطن في فلسطين من خليلها الى جليلها ومن ضفيرتها الكرملية حتى قدميها التي تغسلهما كل صباح ومساء في ذلك البحر المتوسط موقعا والذي تطرف في حزنه وغضبه عندما شاهد القرصان يذبح الاطفال الرضع على سطحه الازرق.
ان حكاية الزيتون المرّ التي تحدث عنها شاعر روماني لم يقرأها المستوطن ولا رائده ومعلمه وجنراله وحاخامه.. لانهم لا يقرأون التاريخ الا بعين واحدة، فلا يرون الطرف الاخر من المعادلة..
ان زيتون نابلس وشقيقاتها لن يتحول الى صفصاف بسبب احزانه بعد هذه المحرقة او الهولوكوست الشجري الذي اضيف الى الهولوكوست البشري، ومن رماد الجذع المحترق سوف تنبت غابه ويظل حفيفها بالعربية لا بالعبرية الى الابد.

 

* شاعر أردني ("الدستور")

قد يهمّكم أيضا..
featured

"ألارض مقابل السلام" ألمبدأ الاساس للتسوية السياسية!

featured

المطلوب: التجديد والتجدد الانتخابي من اجل نقاوة السبيل

featured

يوم الأرض بين الذكرى والذاكرة!

featured

أكرموا مُسنِّيكم وحافظوا عليهم

featured

سخرية باسم يوسف: سلاح ضدّ ثقافة التكفير والتخوين وصناعة الفراعنة

featured

الطُّغاةُ يأكُلُون التَمْرَ والفقراء يُرجَمُون بالنَوَى

featured

اوباما اليوم اقوى

featured

دولة في مزاد علني