// وآخر ما يطالعنا هو ما أرسلته جهة رسمية تريد وقف مسلسل "وطن على وتر" الذي ينتجه تلفزيون فلسطين. فهل علينا أن نفهم أن مرحلة جديدة قد بدأت عمادها تقييد حرية الرأي وتعريض كل كتابة مخالفة أو حلقات لما يفترضه ذوق محدد؟ ألن يمتد هذا للأفلام والكتب كما كان يحدث في عوالم الدكتاتوريات العربية؟ ما أحوجنا في هذه اللحظة أن نكون "بلعينيين"، وأن نذهب من بلعين إلى فلسطين المستقبل كي تصير لنا دولة حقيقية جديرة بالاحترام والكرامة لكل مواطنيها
//
تقوم بلعين في كل يوم بتقديم أمثلتها الحياتية المبدعة لجميع الفلسطينيين. وفي احتفالها الرمضاني، وعلى أراضيها المحررة، كانت هدية أهلها للإعلاميين وأهل الصحافة دروعاً تذكارية، خصوصاً لمن شاركوا في مسيرات المقاومة الشعبية، وحملاتها الإعلامية المتواصلة منذ أكثر من ست سنوات.
كم كانت تلك الهدية طريفة ومناسبة للتاريخ والأرض، فقد صنعت من بقايا هياكل قنابل الغاز الفارغة التي ألقيت بعشرات الآلاف على الأرض والبشر. إلا أن أهل بلعين لم يكتفوا بعرضها كما هي، إنما قاموا بوضعها وتثبيتها على قاعدة من خشب الزيتون، بما في هذا من رمزية ساخرة من القنابل العدوة التي تجسد الشر والأذى.
وفي ذلك الحفل المتميّز على أرض مستعادة، وعدوا بتحويل الأرض المحررة إلى متنزه ومحمية طبيعية يستفيد منها الجميع. وكأني بهم يقدمون لفلسطين من جديد تجربتهم النضالية المستندة إلى فلسفة بسيطة وعميقة. فالنضال من أجل ما تم تحريره حتى الآن من الأرض، وحّد بين شرائح وفئات وجنسيات شتى، ووحّد الجميع على ما بينهم من اختلافات تحت سقف النضال. ولم يشترط أحد على أحد أن يماثله في المفاهيم، أو أن يصبح نسخة أو مجرد استنساخ عنه وعن آرائه مهما بلغ من قناعة واقتناع بأن أحداً لا يماثله على وجه الأرض.
وقد دارت مناظرات أعقبتها عشرات التعليقات حول عروض مسلسلات أو برامج تلفزية مثل مسلسل عن محمود درويش، وحلقات "وطن على وتر" الهزلية الانتقادية التي عرفها الجمهور منذ عدة سنوات، والتي كتب عنها في الصحافة المحلية والعالمية بإعجاب، وتقبلها السيد رئيس السلطة الفلسطينية الأخ أبو مازن برحابة صدر، بل وناصر عرضها واستمرارها. كما تناولت حلقات عديدة رئيس الوزراء الأخ سلام فياض دون أن نسمع أن هذه المراجع الأولى امتعضت أو طالبت بمنع هذه الحلقات.
وآخر ما يطالعنا هو ما أرسلته جهة رسمية تريد وقف مسلسل "وطن على وتر" الذي ينتجه تلفزيون فلسطين ذاته لأسباب شتى، على ما في هذا من تباين في الآراء وتغليب لتقدير معين من جهة محددة على جهة أخرى. ومن ثم غلبة لرأي على آخر في مسلسل هزلي انتقادي تعرض العديد من الدول والبلاد ما يماثله أو ما يزيد عليه بعشرات المرات.
لقد أصدر مثقفون من قبل بياناً طالبوا فيه بمنع عرض مسلسل عن درويش، لأسباب عرضوها في بيانهم. ومن الغني عن الذكر أن ذلك البيان بكل أطيافه يختلف تماماً عن إصدار أمر رسمي بوقف عرض هذه الحلقات. فيمكن للمثقف ولجميع الناس إبداء الرأي، أما أن تبادر أية جهة رسمية إلى منع حلقات يقوم التلفزيون ذاته بإنتاجها، وقد مر عليه أكثر من عامين على هذه الحال، فهذا أمر مختلف، ومختلف تماماً.
فهل علينا كمثقفين أن نفهم أن مرحلة جديدة عمادها تقييد حرية الرأي وتعريض كل كتابة مخالفة أو حلقات لما يفترضه ذوق محدد، محاذرين من تأليف أغنية، أو عرض حلقات ساخرة، أو مناقشة طاقم العمل في وجهات نظرنا أو ضرورات تطويره لو أحببنا؟ وهل يصير لدينا قاعدة مخالفة تماماً لما يحدث في عصر ثورات العالم العربي حيث تطالب الفئات الصامتة بإبداء الرأي؟ وهل علينا أن ننصح الفنانين منذ الآن بالاختفاء عن الشاشة إن كان الأمر يتعلق بالوضع المحلي، أو أنه علينا القبول بالأمر الواقع والتسليم بأن هناك مرجعية تسمح أو لا تسمح بالعروض؟ وألن يمتد هذا للأفلام والكتب كما كان يحدث في عوالم الدكتاتوريات العربية التي تنتفض شعوبها الآن، ونحن الشعب الذي ناضل طويلاً من أجل اكتساب حرياته؟ وهل علينا أن نبدأ في عد التشريعات التي ستبدأ في مراقبة ما لم تتم مراقبته من قبل. ولماذا؟ ولأي سبب؟!
لقد كان أولى بالجهة الرسمية التي قررت منع الحلقات أن تعلن الاستياء أو النقد البناء أو أن تشير بطرق ديمقراطية إلى ما لا يعجبها، فعندها يمكننا ضم أصواتنا إلى صوتها، ومطالبة القائمين على الحلقات بالنظر إلى ذائقة مختلفة، بدلاً من أن تدخلنا في متاهة تسلط الرأي الواحد الذي لا يجوز قبوله في عصر جديد نطمح فيه إلى دخول فلسطين دولةً كاملة العضوية في الأمم المتحدة. فهي فلسطين متعددة الآراء التي ناضلت واستشهدت فيها أجيال متعددة من أجل حرية الفكر والتعبير. فلسطين شاخصة دوماً باتجاه شموس الحرية ورياحها دون خوف أو وجل حتى لو كانت قوية، أو عارمة. فالتاريخ علّمنا أن تعددية الآراء، واختلاف زاوية المشاهدة، والتفاني بحثاً عن الحرية، هي ما يصنع تجارب النضال الناجحة مثل بلعين.
وما أحوجنا في هذه اللحظة أن نكون "بلعينيين"، وأن نذهب من بلعين إلى فلسطين المستقبل كي تصير لنا دولة حقيقية جديرة بالاحترام والكرامة لكل مواطنيها.
