دهمني العطش وأنا جالس أقرأ جريدة في زاوية الجلوس. ومن زاوية الجلوس إلى موقع الثلاجة في المطبخ، بضعة أمتار هزيلة، بالكاد خمسة. في الطريق السعيد لإرواء عطشي، تناولت ثلاث مناشف صغيرة، كانت ملقاة على الكنبة وعلى مقاعد الجلوس، "بوت" ابني الكبير، "شحويطة" ابنتي الصغيرة، "زنوبة" الولد الأوسط وكوب ماء فارغ عن الطاولة.
ومن تحت الكنبة أشعّت أزرار بنطلون الرياضة، بنطلون مجهول هوية صاحبه، وفقط ربنا يعلم كيف وصل لهناك. بالطبع تناولته. وفي الطريق أردت، أيضًا، أن أشيل شنطة البنت الصغيرة، لكنني أرجأت حملها للشوط القادم، فقد كانت الحمولة التي تراكمت على يَدَي مهولة. أفرغت الحمولة في ثلاث محطات، ورجعت لمواصلة طريقي.. وفي الطريق، هذه المرة، بالإضافة إلى النقليات، كنت اجمع طلبات الزبائن؛ "بدي أغلبك، يابا، ناولني بالله الدوسية عن الطاولة"، أما الثاني فقد كان أكثر دبلوماسية: "إذا فش غلبه، بالله يابا كباية مي". وهنا وتذكرت ما حدثني به صديق، عن ابنه في الصف الثاني عشر، وفي الصف الثاني عشر يشعر الولد أنه "زلمة"، وعندما عاد هذا "الزلمة"، مع أترابه، في ساعة متأخرة من الليل، أيقظ أمه، لكي تحضر لهم بعض الطعام، وعندما قامت وهي بين اليقظة والنوم لتنفذ الأوامر، أراد أحد أصدقاء ابنها مجاملتها، فقال: "معلش يا خالتي غلّبناكي"، فما كان منها إلا أن أجابته، بمزيج من الأدب والغُلُب: "لأ يا خالتي.. لا غلبة ولا قرف".
توّجت مسيرتي المضنية هذه بترؤّس جاهة صلح لفرض هدنة بين الأوسط والصغرى. رجعت لمكاني لمواصلة قراءة الجريدة بعد أن قررت بيني وبين نفسي أن لا أسلك، مهما اشتد عطشي، طريق الآلام هذه مرة أخرى؛ كان الليل قد "أرخى سدوله علي"، وكنت قد أحضرت كتابًا لقراءته، وبالضبط في هذه الساعة "البنفسجية"، كما يقول مظفر النواب، جاء صوت من عالم آخر: "شو بدنا نحط زوادة للأولاد بكرة". نفضتُ عن نفسي خداع "الشاطئ الآخر"، وهي مقتبسة أيضًا من مظفر النواب، واللبيب من الإشارة يفهم، ألقيت الجريدة بعيدًا. زوجتي لم تقل لي، "بدنا نغلبك"، "أو معلش قطعنا حبل تفكيرك"، فهذه الكلمات المؤدبة تنفع بين الأغراب، لا بين الأحباب.. بالرغم من ذلك قلت، دون أن ادري، وكأنني أواصل حوارًا داخليًا: "وُلدتُ للشقاء".. نظرت إلي باستغراب، وقرأت في نظرتها، كأنها تقول، دون أن تقول: "مالو هذا الزلمة، بعمل شغلة بالعمر وبدو يهت علينا!"..
