يطل علينا يوم المرأة العالمي هذا العام وفي جعبته معطيات كثيرة، منها ما يبشر بالخير وبثمار نضال نسوي سياسي عنيد، ومنها ما يثير غضبنا كنساء وكمجتمع على ممارسات غير نسوية وغير إنسانية أصلا بحق النساء.
فمن جهة، اثمرت الجهود المتواصلة والعنيدة لجمعيات نسوية، ومجتمع مدني وحزبي عن احقاق حق شرعي للنساء، الحق بالتعليم، والذي ترجم بزيادة عدد الفتيات في التعليم العالي، اذ ان نسبتهن تفوق الـ 60% من طلابنا العرب في الجامعات والكليات في البلاد، والـ 44% من مجمل الطلاب العرب في معهد العلوم التطبيقية (التخنيون)، بحسب بروفسور يوسف جبارين، وهذا ان دل على شيء فانه يدل على أن نساء شعبنا لسن قادرات على كسر هذا السقف الزجاجي فقط في حقهن بالتعليم، انما أيضا على كسر أنماط سلوك وقوالب فكرية ذكورية فيما يتعلق بموضوع التعليم. ولكن من جهة أخرى، نسبة النساء من كوادر المحاضرين الكبار في جهاز التعليم العالي في البلاد قليلة، ونسبة النساء صاحبات لقب بروفسور اقل بكثير (23% نساء مقابل 77% رجالا) بحسب منشور مقياس المساواة الجندرية في إسرائيل لعام 2016، ولا شك ان حصة النساء العربيات من هذه الإحصائيات اقل بكثير.
وفي سوق العمل، نشهد نهضة أخرى في انضمام النساء لهذا الحيز، فعاما بعد عام يرتفع عدد النساء العاملات في البلاد ليصل الى 59% مقابل 69,5% من الرجال، ولكن حصة المرأة العربية من هذه الأرقام هي اقل بكثير اذ لا تتعدى نسبتهن الـ 27% ونسبة البطالة بينهن هي من الأعلى في البلاد.
اما فيما يتعلق بالتمثيل النسائي في الحيز السياسي، فهناك نشهد حراكا مباركا أيضا. ففي السياسية القطرية، ازداد عدد النساء بشكل ملحوظ ليصل الى قمة جديدة 30% من أعضاء البرلمان من يهوديات وعربيات، رغم وعينا لحقيقة ان ليس كل امرأة في موقع سياسي قيادي تحمل بالضرورة أجندة نسوية وتقدمية. هناك نساء عسكريات وصقريات في توجههن السياسي أكثر من العديد من الرجال والعكس صحيح أحيانا. ومع هذا، فإن مجرد فكرة ان وجود النساء في البرلمان (بغض النظر عن اجندتهن) بات امرا اعتياديا وطبيعيا هو انجاز بحد ذاته. اما بالنسبة للنساء العربيات، فان مضاعفة عددهن بنسبة 100% فهي خطوة مباركة وغير مفهومة ضمنا بالمرة. ان انضمام رفيقتنا عايدة توما سليمان الى رفاقنا في العمل البرلماني وترؤسها للجنة مكانة المرأة كسابقة تاريخية هي إضافة نوعية للعمل البرلماني السياسي والنسوي.
وفي الساحة السياسية المحلية، بينما تشكل النساء 14% من منتخبي الجمهور في البلاد عامة، وهي من النسب الأقل في العالم، تشهد الساحة السياسية المحلية العربية حراكا ملحوظا، وان كانت نسبة النساء العربيات أعضاء البلديات والمجالس المحلية منخفضة بعد. فبحسب معطيات جمعية نساء ضد العنف، من 5 نساء عربيات في الدورة السابقة، الى مئات المرشحات في الدورة الحالية ،(أغلبهن في مواقع غير مضمونة) الى 14 امرأة تم انتخابها كعضو سلطة محلية في الدورة الحالية. بالإضافة الى هذا العدد، هناك 4 نساء ما زلن بانتظار دورهن بحسب اتفاقية تناوب، رغم ان الدورة على وشك الانتهاء. وللأسف، من الـ 14 امرأة عضو سلطة محلية، 4 نساء قدمن استقالتهن. من الجدير بالذكر ان كل هذا الحراك هو ليس وليد صدفة، انما ثمرة عمل ممنهج للعديد من النسويات داخل الأحزاب المختلفة ومن المجتمع المدني. ان وصول النساء لهذه المناصب الجماهيرية لا يعني ان المهمة قد أنجزت، اذ ان امامنا الكثير من العمل لتشجيع عدد اكبر من النساء للانخراط في العمل السياسي، وامامنا تحديات كثيرة ومنها كسر محاولات قولبة النساء حتى داخل المجلس المحلي او البلدية عن طريق دمجهن باللجان المعدودة تقليديا على جمهور النساء ( وهذا امر جيد بحد ذاته) ولكن ان تقصى النساء عن حيز اتخاذ القرار باللجان المصيرية كالمالية والتخطيط والبناء والارنونا وغيرها، هو امر وجب التصدي له. فوجود النساء داخل اللجان، هو حاجة ملحة، فالكثير من الأمور التي يتم تداولها في هذه اللجان تخص حياة الاسرة والحياة الاجتماعية في البلدة، وهي أمور تحسن النساء في اتخاذ القرار بها،لأنها أكثر ملامسة لها في حياتها اليومية.
وفي خلفية هذا المد والجزر من الإنجازات، ما زال مجتمعنا الفلسطيني بالداخل يواجه أصعب وأعتى التحديات، العنف بشكل عام، والعنف تجاه المرأة بشكل خاص، القضية النسوية الأولى في نظري، فلا اهم ولا اقدس من حياة الانسان وحريته. سنويا تضاف الى لائحة ضحايا العنف ضد المرأة أسماء لضحايا جديدة، والى لائحة الثكل واليتم، أسماء عائلات جديدة، وطالما نحن كمجتمع عاجزين عن الحد من هذا السرطان المجتمعي، فان كل انجازاتنا لرفع مجتمعنا تقزم امام فشلنا الكبير في رفع الوعي حول قداسة حياة الانسان. ومع ذلك، فاننا كفلسطينيات، وكمجتمع فلسطيني في البلاد، لا نملك ترف اليأس. فبخطى صغيرة ثابتة نتقدم ونعمل نحو مستقبل افضل لبناتنا ومجتمعنا، ونعبّد السبيل في لهيب المستحيل على امل ان نحتفل بيوم المرأة القادم، ونحن الى مرادنا اقرب.