التطرف الإسرائيلي سلاح بيد الفلسطينيين

single

قبل أشهر استجابت إيطاليا بعد مفاوضات صعبة للمطالب الليبية، وقدمت روما الاعتذار لطرابلس عن فترة الاستعمار الإيطالي لليبيا، بعد أن تهربت عشرات السنين في محاولات رفضها لتحمل مسؤولياتها، ووافقت أخيراً على دفع تعويضات عما سببته من جرائم وآثام بحق الشعب الليبي عن تلك الفترة الاستعمارية السوداء.

وقبل أسابيع قليلة، استجاب جنرالات الجيش التركي، مع حكومتهم، وقرروا رد الاعتبار للشعب الكردي، واحترام ثقافته القومية الخاصة، وإعادة تسمية المدن والقرى في المحافظات الشرقية من تركيا بأسمائها الكردية الأصلية الحقيقية، كما كانت سابقاً قبل محاولات تتريكها واتخاذ إجراءات تعسفية لإلغاء كرديتها.

الموقف الإيطالي المستجد المحترم من ليبيا، لم يكن ليتم، ولا الموقف التركي الشجاع نحو الأكراد، كان سيتغير، لولا انتصار لغة العصر وشيوع قيم العدالة والتكافؤ بين بني البشر، ولولا انحسار العنصرية وتراجعها أمام المنطق وقوة الدفع الديمقراطي ورسوخ الحلول العصرية للمشاكل المعقدة بين الشعوب والقوميات والخصوصيات الوطنية، وكذلك هزيمة العصبيات الموروثة من عهود الاستعمار والتخلف والتمييز والادعاء بالتفوق.

في الوقت الذي تسير فيه الحياة نحو التقدم والعصرنة والانفتاح والديمقراطية واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي التعبير عن نفسها بما يلائمها من ثقافات، أدت محصلتها إلى نجاح الرئيس أوباما ذي الأصول الإفريقية ليكون رئيساً للولايات المتحدة، وهو أكبر دلالة عصرية في أكبر بلد في العالم كان يعاني من التمييز والعنصرية في القرن العشرين، ليكون الرد في القرن الواحد والعشرين على ذلك بانتخاب رئيس أسود لهذا البلد الذي ما زال صديقاً حميماً وقوياً لإسرائيل.

في هذا الوقت من القرن الواحد والعشرين يوغل الإسرائيليون في التخلف والرجعية وانتهاك حقوق الإنسان والمس بالقيم الثابتة التي أجمع عليها المجتمع الدولي، ويتصرفون كمستعمرين غير آبهين بقيم المسلمين ومقدساتهم وتراث المسيحيين وتقاليدهم، وينكلون بكل ما هو عربي مقيم على أرض فلسطين سواء في مناطق الاحتلال الأولى العام 1948 (مذابح كفر قاسم 1956، يوم الأرض 1976، يوم انتفاضة الأقصى سنة 2000) أو مناطق الاحتلال الثانية العام 1967، وسلسلة الجرائم التي اقترفوها وآخرها اجتياح غزة أواخر 2008 أوائل 2009 وارتكابهم "جرائم حرب" وربما "جرائم ضد الإنسانية" وفق تقرير ريتشارد غولد ستون رئيس بعثة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي كُلف بإجراء التحقيقات اللازمة في التدقيق بالانتهاكات الإسرائيلية، وخلص في تقريره إلى أن هذه الانتهاكات لم تراع الاحتياطات اللازمة وفق القانون الدولي، للحد من الخسائر في الأرواح البشرية من المدنيين، وأن إسرائيل استخدمت القوة بشكل غير متكافئ أثناء الهجوم على غزة.

ريتشارد غولد ستون يهودي من جنوب إفريقيا تولى عدة مواقع ومسؤوليات منحته النجاح والشهادة وكرسته مهنيا مستقيما ونظيف اليد وشجاعا، فقد ترأس لجنة هدفت إلى تغيير النظام العنصري في بلاده إلى نظام ديمقراطي عبر صناديق الاقتراع والانتقال السلمي للسلطة من الأقلية العنصرية البيضاء إلى الأغلبية السوداء، كما سبق له أن تولى الادعاء العام بالمحاكم الدولية بشأن الانتهاكات في يوغوسلافيا ورواندا، وفي نيسان 2009 تم تكليفه برئاسة لجنة من أربعة خبراء تتولى تقصي الحقائق حول الانتهاكات الإسرائيلية في "حملة الرصاص المصهور" ضد قطاع غزة.

إسرائيل توغل في تطرفها العنصري القومي والديني ضد الشعب العربي الفلسطيني، ضد المسلمين والمسيحيين، سواء في مناطق الاحتلال الأولى العام 1948 في الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة، أو في مناطق الاحتلال الثانية العام 1967 في الضفة والقدس والقطاع.

إيطاليا تعتذر إلى الليبيين وتقدم لهم التعويضات، وتركيا ترد الاعتبار للأكراد وتعيد لهم أسماء مدنهم وقراهم بالكردية، أما إسرائيل فتصادر الأسماء العربية للمدن والقرى العربية المعروفة بأسمائها منذ مئات السنين، وتفرض أسماء عبرية عليها، إنه تطرف وعنجهية وروح استعمارية عنصرية بغيضة، وهي استخلاصات مهما كانت قاسية ومؤذية بحق الفلسطينيين، ولكنها سلاح قوي بأيديهم لإدانة إسرائيل وفضحها وكشف حقيقة جوهرها العدواني، وهي مقدمات ضرورية للوصول إلى النتائج المهمة بهدف هزيمتها أخلاقياً أمام المجتمع الدولي.

لقد مرت جنوب إفريقيا بنفس الوتيرة والتطورات، فهي لم تهزم مادياً وعسكرياً أمام الحركة الوطنية للمواطنين الأفارقة السود، بل تمت هزيمتها أخلاقياً وإدانتها بالعنصرية، ومن ثم فرض العقوبات والعزلة عليها وبالتالي رضوخها لمطالب الأفارقة الوطنية وضغوط المجتمع الدولي، فجرى التحول وإنهاء العنصرية في جنوب إفريقيا، وهذا ما يجب فعله وعمله والتخطيط له للإيقاع بإسرائيل في شر أعمالها وكشفها وتعريتها أمام المجتمع الدولي، وصولاً إلى استجابتها للحقوق الفلسطينية، حق الفلسطينيين في إسرائيل بالمساواة والشراكة، وحق الفلسطينيين في الضفة والقدس والقطاع بالحرية والاستقلال، وحق اللاجئين بالعودة إلى المناطق المحتلة العام 1948 واستعادة ممتلكاتهم المصادرة من قبل الدولة العبرية.

ما تفعله إسرائيل من جرائم وانتهاكات سلاح دفاعي قوي بيد الشعب المعذب، وسلاح قوي بيد المجتمع الدولي المتحضر للضغط على إسرائيل كي تستجيب لروح العصر وقيمه كما فعلت جنوب إفريقيا مع الأفارقة، وكما استجابت إيطاليا للمطالب الليبية، وكما ردت تركيا الاعتبار للأكراد وحقوقهم وثقافتهم.

 

h.faraneh@yahoo.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

الكلام الفضفاض عن اشتراك المرأة في النضال الوطني لا يكفي

featured

تشويه اعلامي للحملة العسكرية الروسية

featured

ما أتعسنا إنْ كان هذا عنواننا!

featured

لمحة عن تاريخ اسرة الملك بالسيف والذهب..

featured

تخرّج أفواج كبيرة من الأطباء ونجاحهم في الامتحان النهائي

featured

كفّوا عن ملاحقة النائب محمد بركة!