قصدتُ أن أقول بأننا كلّنا أخطأنا: فلسطينيون وعرباً، نضالاتنا هائلةٌ وعظيمةٌ وشجاعة، وبيننا من يستوحي العقل والروح العلمية والعملية، والرؤى الواقعية الثورية على الأرض وفي الميادين؛ وبيننا من يتخلّف عن كل ذلك، فيلجأ إلى كسر قرارات الإجماع الوطني والقرارات العربية المشتركة، وضرب القضايا المشتركة؛ بحيث تتشتت الطاقات والإنجازات، بفعل الارتداد والتراجعات إلى الخلف ونحو اليمين بسلسلة من التنازلات تحت الأجندة الأمريكية والضغوط الإسرائيلية، وعلى الضفة الأخرى الجنوح نحو سياسات فئوية مقامرة لا أفق لها، وحصادها انقسامات عبثية مدمِّرة وكوارث وطنية وقومية، مثالها حروب الخليج الثلاثة والانقسامات العربية ـ العربية، وزرع وتمويل الانقسام في الصف الفلسطيني، اللبناني، فضلاً عما يجري من حروب داخلية وأهلية في بلدان عربية كثيرة منها السودان، العراق، الصومال، اليمن ... الخ.
إستراتيجية المراحل طريق الخلاص
أمامنا الخيار الوطني الملموس؛ ولا يوجد أمامنا خيار آخر. وهنا علينا أيضاً أن نستذكر تاريخنا؛ عام 1939، الكولونيالية البريطانية تراجعت عملياً عن وعد بلفور وتجاوزته، عندما قدمت بعد سنتين من اندلاع الثورة الفلسطينية، الكتاب الأبيض الذي ينص على قيام دولة فلسطينية واحدة على كامل فلسطين التاريخية؛ اقتصادٌ واحد، وسوق واحدة، وجيش واحد، وسياسة خارجية واحدة، ووقف الهجرة الجديدة، مع السماح بوصول 85 ألف يهودي فقط خلال ثلاث سنوات، وتتوقف الهجرة الصهيونية! والكتاب الأبيض ينص أيضاً على إقامة هذه الدولة خلال عشر سنوات بالحد الأقصى، لكن المشروع الصهيوني الاستعماري رفض الكتاب الأبيض، ممثلاً بالوكالة اليهودية، بزعامة بن غوريون. فهو يريد دولة يهودية، وفقاً لوعد بلفور؛ ورفض الحاج أمين الحسيني (رحمه الله ومن معه)، الذي كان على درجة عالية من العِداء لكل متنور يتقدم عليه خطوة، لا يلبث أن يجد نفسه مغتالاً. والأنظمة العربية الإقطاعية الأربعة التي كانت آنذاك، رغم أن بعضها كان مرتبطاً بالكولونيالية البريطانية، رفضت الكتاب الأبيض. والحكمة تقول: "قل لي ماذا يقول عدوي، أقول ما يجب أن أقوله".
لقد ارتكبوا الحماقة نفسها مرة أخرى عام 1948، وأضاعوا الفرصة التاريخية. بينما كان عليهم أن يتعلموا من عدوهم، وتتالت الأخطاء التي أشرنا في سياق هذا البحث عن أزمتنا الفلسطينية الأزمة العربية.
الوكالة اليهودية كانت تريد دولة يهودية، وترفض الكتاب الأبيض، لأنها أردت العودة إلى وعد بلفور. الكتاب الأبيض تجاوزٌ لوعد بلفور. كان علينا أن نمسك بالحل الملموس. ولو أمسكنا به، لكسرنا شوكة وسيوف المشروع الصهيوني، المتواطئ مع الكولونيالية البريطانية والأنظمة العربية الإقطاعية عام 1948، وكان ما كان. نتنياهو في كتابه "مكان بين الأمم" يعتبر البرنامج الوطني المرحلي للثورة ومنظمة التحرير، برنامج تقرير المصير والدولة والعودة "الأخطر على إسرائيل والمشروع الإسرائيلي الصهيوني، ويمثل المرحلة الأساس لإزالة دولة إسرائيل".
علينا أن ننظر دائماً بعين المحاسبة والمراجعة لكل خطواتنا. نستحضر فيها أقصى ما نتمكن من العقل النقدي، مع إطلاق الحوار النقدي، علناً حول القضايا المطروحة. أين أخطأنا وأين أصبنا، حتى نصحح مسار النضال. هذه هي المشكلة التي لا تزال قائمة؛ ومن هنا دعوتنا الدائمة، إلى ضرورة تحكيم واستدعاء العقل والروح العلمية؛ لأن العقل هو الروح العلمية؛ على قاعدة فهم موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية، واشتقاق الإستراتيجية المرحلية التي هي ذات طبيعة واقعية ثورية، وليس ذات طبيعة واقعية فقط، والخيار الآخر هو الهروب إلى الشعارات اللفظية الثورية العامة، الفاقدة البرنامج الوطني والعملي إلى حد الإفلاس، وكأنها خيارات مطروحة. علينا فقط أن نفكر ونختار.
وختاماً، يعلمنا تاريخ ثورات وحركات التحرر الوطني الظافرة في القرن العشرين الدرس الأساس والكبير: بالبرنامج الوطني الواقعي الموحّد؛ بإنهاء الانقسام العمودي المدمِّر، وإعادة بناء وحدة الشعب والوطن والمؤسسات؛ بالدمقرطة الشاملة وفق انتخابات قوانين التمثيل النسبي الكامل، في مرحلة التحرر الوطني؛ بحوار العقل النقدي لحل التعارضات في الصف الفلسطيني، والعربي، نقهر الفشل وننتصر على أعدائنا.
هذا هو الذي يوصلنا إلى حلول وطنية وقومية جذرية لكل قضايانا ... والسلام المتوازن في ختام هذه المرحلة، وفي اليوم التالي نفتح على مرحلة جديدة، مرحلة النضال نحو الحل الديمقراطي الشامل والعادل "فلسطين ديمقراطية موحدة" لكل مواطنيها الفلسطينيين العرب والإسرائيليين اليهود.
(انتهى)
الأمين العام للجبهة الدمقراطية لتحرير فلسطين
